حرب "داعش" على الأضرحة

Monday 16th June 2014 11:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- ممتاز أر تركونه

نشر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، الذي سيطر على مدينة الموصل العراقية قبل أيام، تعميمًا حول القواعد التي يعتزم على اتباعها في المدينة. وإحدى المواد التي نصّ عليها هذا التعميم تتعلق بمن يرقدون تحت التراب، وتقول: زيارة الأضرحة ممنوعة من الآن فصاعدًا، كما أن هذه الأضرحة ستهدم.

لماذا يُهمل تنظيمٌ قد استولى على الموصل ونواحيها ثم توجه صوب العاصمة بغداد ما أفزغ العالم الأحياءَ ويتجه لصراع الأموات؟! وإن هذه الحرب المعلنة ضد الأموات تُبيّن لنا أحد المحاور الأساسية لحرب طائفية يبدو أنها ستدور رحاها لوقت طويل. وقد أقسم الزعيم الشيعي "مقتدى الصدر" أنه سيحمي الأضرحة التي هدد داعش بهدمها. ولأن مدينة سامراء، التي تبعد 70 كم عن بغداد، وتستضيف ضريحي إمامين من الأئمة الاثني عشر، فإنها تحولت إلى واحد من المواقع الإستراتيجية في الحرب الأهلية التي بدأت رحاها.

ومن بين المستلقين تحت تراب الموصل وما جاورها من الأراضي التي لم يمرّ قرنٌ على خروج الأتراك منها، يوجد أجدادنا الذين يرقدون في الأضرحة التي يرغب داعش في هدمها. فعلينا الاهتمام بأمر موتانا الراقدين تحت التراب إلى جانب طاقم القنصلية التركية المحتجزين في الموصل.

إن سيطرة داعش على الموصل ليس عبارةً عن حرب أهلية واسعة النطاق تشمل العراق وسوريا، وتطوراتٍ بإمكانها تغيير التوازنات في المنطقة فحسب. فعملية هدم الأضرحة تعني تصفير الماضي، أي التاريخ. ونشهد الآن كتابة الصفحة الأولى من الملف السميك الذي سنورثه للأجيال القادمة. وبمقدوركم قراءة المستقبل من خلال تحليل وتفسير مسألة عداوة الأضرحة، أي عداوة التاريخ.

تُعتبر عداوة داعش للأضرحة واحدة من الخصائص المميزة للحركة الوهابية التي ظهرت في المملكة العربية السعودية. والسلفية هي الاسم الذي أطلق على مذهب "محمد بن عبد الوهاب" (1703 – 1791م)، الذي استلهم أفكاره من الإمام "ابن تيمية" (توفي عام 1328م)، في شبه الجزيرة العربية. هذا المذهب بسيط في الحقيقة، غير أنه يعتمد على تفسير حادٍّ للدين. وأحد هذه المبادئ التي يمكن تلخيصها في نقاط ثلاث: رفض التفسيرات المجازية للقرآن الكريم، والاعتماد كليًا على التفسير اللفظي أو الحرفي. وثاني هذه المبادئ هو عدم تبني كلام أي أحد بعد النبي – عليه الصلاة والسلام – باعتباره دليلاً دينياً، وفي النهاية اعتبار أن "العمل جزء من الإيمان". وآخر هذه المبادئ هو تكفير من يكون عمله ناقصاً، أي من لا يؤدّي الفرائض. وعليه، فإن المخاطَبين بمبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هم المسلمون الذين أعلنهم السلفيون كفارًا. وما إراقة دماء الكثير من المسلمين من قبل بعض التنظيمات التي تتبنى المنهج السلفي مثل القاعدة وداعش إلا نتيجة لهذا التفسير. كما أن عداوة الأضرحة والقبور هي نتيجة لرفض التفسيرات التصوفية للإسلام. وتمثل السلفية الجهادية، كنتيجة لهذه التفسيرات، إحدى الفهومات (البشرية) الحادة للإسلام التي تعلن الحرب على بقية الفهومات المتعارضة معها – برفض وتكفير جميعها - ولا يتحمل الآخرين وأفكارهم، ويستخدم العنف كوسيلة ضرورية، ألا وهي التفسير "الخارجي" الحادّ للإسلام!

إن عداوة الأضرحة، أي الحرب المعلنة على الأموات، في الواقع، هي نتيجة للغضب إزاء ماضٍ لا يبدو زاهراً ومشرقاً بما فيه الكفاية. وهي في الوقت نفسه أقصر الطرق لعداوة التاريخ. وعندما يحفل الواقع المعاش بأنواع عديدة من خيبات الأمل، فإن العودة إلى عصر ذهبي ولّى، أي إلى "السلف"، تصبح أسهل طريق للهروب. وليس من الصدفة أن يكون "ابن تيمية"، المعروف بأنه مؤسس السلفية ممّن شاهَد حرْق وتدميرَ بغداد من قبل المغول عام 1258م. وكذلك فإن انتشار رسالة "محمد بن عبد الوهاب"، مؤسس المذهب، بين البدويين الذين يعيشون حياة "البداوة والوحشية"، ملفتٌ للانتباه.

إن الفكر السلفي يتمكّن من تجاوز عقبة "اﻟﻼﺗﺎرﻳﺨﻴﺔ" والظروف السيئة للغاية في حملة واحدة عبر تحويل "عدم الانتماء إلى أصل" أو "القطيعة التاريخية" إلى إيمان وعقيدة. ولا يتسم هذا الفكر بسمة "الباني" أو "المؤسِّس" الواعد بالسلام أبداً. وهذا الفكر يجمع، بصورة قاسية ودون هوادة، الطابعَ المعارض للإسلاموية الراديكالية في صعيد واحد أمام المذاهب الأخرى. وينتهز ردود الأفعال ويتغذّى بها، لكنه لا يعِد أحداً بمستقبل. وإن هدم الأضرحة وعدم احترام الذكريات هو نتيجة لهذا الغضب القائم إزاء الماضي. ومن ليس لهم تاريخ يعتمدون عليه يأخذون ثأرهم، بحسب زعمهم، من خلال تدمير الأضرحة وإسدال ستار أسود على الماضي. وهل هناك من أثر للسلام والعيش جنبًا إلى جنب والسعي لبناء حضارة في هذا الفكر؟!

إن الذين يذهبون إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة يعتقدون أن تاريخ جميع الأماكن، باستثناء الأماكن المقدسة، لا يتعدى عشر سنوات على أقصى تقدير. وهل هناك مستقبل لمن لا ماضي وأصْلَ له؟

إن اللاتارخية هي النحس دائمًا وأبدًا. وسنجرّب ذلك مرة أخرى.
CİHAN
Son Guncelleme: Monday 16th June 2014 11:00
  • Ziyaret: 4342
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0