احتمالٌ ليس ببعيد

Wednesday 18th June 2014 01:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم: طورخان بوزكورت

إن القنصلية التركية في الموصل محتلّة منذ ستة أيام، ويستخدم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الإرهابي مبنى القنصلية كسجن مؤقت.

لم يستطع أحدٌ الوصول إلى أخبار عن ما لا يقل عن 80 مواطنًا تركيًا محتجزًا في الموصل، بينهم القنصل العام وموظفو القنصلية ورجال القوات الخاصة وعدد من سائقي الشاحنات. وأعتقد أنه لن يكون سهلًا أن يندمل الجرح الغائر الذي تسببت به واقعة إنزال العلم التركي من ساريته أمام مبنى قنصليتنا في الموصل، التي تعتبر "جزءاً من أراضي تركيا"، في الأسبوع نفسه الذي أُنزل فيه العلم الوطني في ثكنة عسكرية بمقاطعة "ليجة" التابعة لولاية "ديار بكر" جنوب شرق تركيا. ومع ذلك، فإننا سنشعر بالتسلِّي إذا عاد الرهائن الأتراك المحتجزون في هذا الهجوم الغادر إلى أهلهم سالمين.

ليس من السهل توقُّع النتائج السياسية لما تشهده الساحة حاليًا في الوقت الذي يتقدم فيه تنظيم داعش بهجماته الوحشية صوب بغداد. نحن ندفع أثمانًا حتى على المدى القريب بسبب التوتر الذي زادت حدته في العراق. فإذا عمّت النزاعات والاشتباكات على هيئة حرب سنية – شيعية المنطقة كلَّها، يُخشى أن يقفز سعر برميل النفط من 114 ليتخطى 130 دولارًا أمريكيًا.

إن العراق يلبي ما نسبته 3.7% من الاحتياج العالمي من النفط، ويحتل المرتبة الثانية - بعد ألمانيا - على قائمة أكثر الأسواق الخارجية استقبالًا للبضائع التركية. وربما تتعرض صادرات تركيا إلى العراق، البالغة 12 مليار دولار سنويًا، لخسائر فادحة. وسيصعب على المنتجات التركية العبور إلى بغداد وجنوبها، تلك المنطقة التي تستقبل صادرات تركية سنوية بقيمة 9 مليارات دولار. وحينها سيكون أمام المصدِّرين الأتراك معبر أكثر أمنًا، لكنه سيكون مكلفًا؛ إذ يمكن تصدير البضائع التركية إلى جنوب العراق عبر إمارة دبي الإماراتية. غير أن الربحية ستتلاشى بعد مدة بسبب التكاليف الزائدة، وحينها ستتوقف الصادرات التركية إلى هذا البلد. وسيستمر تدفق البضائع التركية إلى شمال العراق بشكل هزيل للغاية. وإن هذه الوتيرة ستهز كيان المدن التركية الحدودية وعلى رأسها "غازي عانتب".

لن تستطيع الشركات التركية تحمُّل أي خسائر تأتي من العراق، لا سيما بعد ما تكبدوا خسائر سنوية وصلت إلى 3 – 4 مليارات دولار بسبب الحرب المندلعة في سوريا منذ أكثر من ثلاثة أعوام. كما أن سائقي الشاحنات الأتراك تتوقف أعمالهم، ما يدفعهم لاستهلاك ما لديهم من موارد. ولن يُسمح لعبور البضائع التركية إلى العراق إلى أن يتمّ تأمين الأرواح. وستصعِّب الأزمة العراقية وصول تركيا إلى هدفها المنشود المتمثل في تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4%، وذلك في ظل تعديل توقعات النمو العالمي نحو معدلات متدنية.

وبما أن شعار "تصفير المشاكل" الذي أطلقته تركيا تحوَّل إلى مشاكلَ في حد ذاته في أيدي البيروقراطيين والدبلوماسيين الذين استخفّوا بالحقائق الواقعية في المنطقة، فإن الأمل الوحيد لدى رجال الأعمال والمصدِّرين الأتراك الآن هو انتهاء الاشتباكات في العراق في أسرع وقت ممكن. ومن الملاحظ أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) آثروا اتباع سياسة "لننتظر حتى نرى ما سيحدث" في الوقت الراهن. كما أن انتظار قيام تركيا بتدخُّل عسكري في العراق لا يتضمن حلًا حقيقيًا على أرض الواقع. فعلى المسؤولين في أنقرة استغلالَ الإمكانيات الدبلوماسية إلى أبعد مدى من دون تعريض حياة الرهائن الأتراك للخطر، خصوصًا وأنهم محتجزون لدى تنظيم يستمتع بقتل الناس. هذا إضافة إلى ضرورة القيام بعملية تحليلٍ للآثار الاقتصادية على المديَيْن القصير والمتوسط بينما نقوم بهذه الخطوات. وينبغي تأجيل تحصيل الرسوم مثل الضرائب وأقساط التأمين وفواتير الماء والكهرباء وغيرها من الشركات التي تصدِّر بضائعها إلى المنطقة. كما يجب العمل على برامج إعادة هيكلة القروض مع المصارف ذات الصلة.

لا شك أن تحوُّل خسائر الصادرات إلى وضع دائم كابوسٌ يؤرق الجميع. ولن يكون هذا الكابوس محدودًا بمنطقة جنوب شرق الأناضول فحسب، بل لن يكون احتمالًا بعيدًا أن تحدث سلسلة من الإفلاسات يصل مداها حتى إسطنبول في أقصى الغرب. هذا إضافة إلى أن زيادة أسعار النفط سيرفع من فاتورة تركيا من استيراد موارد الطاقة من الخارج. وستزيد أسعار العملات الأجنبية من معدَّل التضخم إلى الخانة الثنائية مجدّداً، وستتراجع إيرادات السياحة. كما سينظر المستثمرون الأجانب إلى تركيا على أنها دولة محفوفة بالمخاطر. ولن يكون إجراء خفض معدل الفائدة في ظل هذه الظروف مقنعًا أبدًا للأسواق. وينبغي على البنك المركزي التركي وضع كل هذه الأمور نصب عينه خلال اجتماعه الذي سيعقده يوم 24 يونيو / حزيران الجاري.

لقد أصيب قلب البترول – العراق - بجرح خطير، وتركيا تسير في طريقها لأن تكون جارة لدولة تسيطر عليها حالة من الفوضى العارمة. ويا ليت لو كانت الأحوال العامة وردية ومنعشة كما رسمها رئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان" ووزير خارجيته "أحمد داود أوغلو". وإن وقوفنا موقف المتفرج أمام مشهد تقسيم خريطة العراق إلى ثلاثة أجزاء في ظل تهديد داعش، لن ينفعنا بشيء سوى زيادة الثمن الذي سندفعه جراء هذه الوتيرة. وإذا كانت السياسة الواقعية تبعث لنا رسالة تقول "انتقلوا إلى مرحلة إدارة الأزمات"، فعلينا حينئذ ترتيب حساباتنا وفق الاحتمال غير البعيد.
CİHAN
Son Guncelleme: Wednesday 18th June 2014 01:00
  • Ziyaret: 4354
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0