مرسي يواجه "دولة الجنرالات" بعد 60 عامًا من حكم العسكر

بعد حسمه للصراع على السلطة وإنهاء 60 عامًا من حكم العسكريين في مصر أصبح الرئيس محمد مرسي في مواجهة شرسة مع "دولة الجنرالات العميقة" التي تسيطر على المفاصل الرئيسية لجمهورية مصر العربية، بحسب خبراء.

وتشير دراسة لمعهد كارنيجي البحثي الأمريكي نشرها في عدد أغسطس أن الرئيس السابق حسني مبارك الذى يعد رابع عسكري يقود البلاد منذ ثورة 1952 اعتمد سياسة الاحتواء مع المؤسسة العسكرية على مدى 30 عامًا، حيث كان يفتح لهم المجال للسيطرة على المؤسسات الاقتصادية والحيوية في الدولة أثناء خدمتهم وبعد تقاعدهم لضمان ولائهم، بحسب دراسة لمعهد "كارنجي للسلام" الأمريكي رصدت تفاصيل إمبراطورية العسكر الخفية.

 غير أن خبراء مصريين توقعوا أن يتمكن مرسي من تقليص "دولة الجنرالات العميقة" بعد قراراته المفاجئة بتغيير كبار قادة الجيش، وكذلك بعد أن يتم إقرار الدستور الجديد المتوقع في سبتمبر المقبل الذي سيعيد ترتيب أدوار المؤسسات الحيوية للدولة.

 وأصدر مرسي قرارًا بتقاعد كل من المشير محمد حسين طنطاوي من منصب وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس أركان القوات المسلحة الفريق سامي عنان.

وعين مرسي اللواء محمد العصار، عضو المجلس العسكري، مساعدًا لوزير الدفاع، وألغى الإعلان الدستوري المكمل الصادر في 17 يونيو/ حزيران الماضي، والذي اعتبرته أحزاب وقوى مؤيدة لمرسي مقلصًا لصلاحيات الرئيس، وفي الصيغة المصرية فإن الإحالة للتقاعد تخفيف إجرائي لقرار الإقالة.

 وهذه القرارات رغم أنها أنهت رسميًا حكم العسكر وأعطت كافة الصلاحيات لأول رئيس مدني لمصر، إلا أنها لم تتطرق للمواجهة مع "جمهورية الجنرالات" وتوغل قيادات الجيش في مؤسسات الدولة المدنية والتنفيذية.

 وفتح مركز كارنجي للسلام ملف "جمهورية الجنرالات" في دراسة موسعة في أغسطس/ آب الجاري بعنوان "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر"، اعتبرت أنه "بدون تفكيك إمبراطورية العسكر، لن يتمكن الرئيس الحالي ولا غيره من السيطرة على "الجيوب" الاقتصادية والبيروقراطية التي تقيد عمل المؤسسات المدنية وتوقفه تمامًا في حالة تعارضه مع مصالح الدولة العسكرية".

وتدلل الدراسة علي توغل الجنرالات في مؤسسات الدولة حينما تشير إلى أن الهيكل الإداري المصري مقسم إلى 27 محافظة تنقسم داخليًا على أربعة أجزاء ثلاثة منها للعسكريين السابقين، حيث يسيطر العسكريون على عدد هائل من مناصب المحافظين ونائبي المحافظين والمساعدين والمدراء العموميين داخل المجالس المحلية التي تشكلت في مئات القرى والمراكز على مستوى الجمهورية بما يرفع عدد العسكريين المتقاعدين في مناصب الإدارة المحلية إلى 2000 منصب تقريبًا.

وأشارت الدراسة إلى نفوذ العسكريين المتغلغل في مصر عبر حصولهم على نسبة من الوزراء وكذلك مناصب المديرين ومديري مكاتب الوزراء من ذوي الخلفية العسكرية (قطاعات الدفاع، الإنتاج الحربي، الطيران المدني، والتنمية المحلية والنقل والاتصالات والبيئة والتضامن الاجتماعي) وهو ما ضمن رواتب فلكية للمتقاعدين من الجيش إلى جانب معاشاتهم المرتفعة من مؤسسة الجيش وبذلك نجح الرئيس السابق حسني مبارك في منع بروز الجيش كقوة منافسة لنفوذ النظام السياسي.

 كما يتربع العسكريون على الكثير من مجالس إدارة الخدمات العامة مثل هيئة الطرق والكباري وغيرها من شركات الخدمات والأعمال العامة القومية للطيران والمطارات والملاحة البحرية والنقل العام (بما في ذلك المنافذ البحرية)، ورسوم المرور من الطرق التي يؤمنها الجيش، وشركة الكهرباء العامة والمياه والصرف الصحي إلى جانب العديد من الشركات التي يملك العسكريون غالبية أسهمها إن لم تكن ملكًا لهم بالكامل.

 وتشير الدراسة إلى أن التعيينات كانت تقتصر على القيادات الموثوق فيها، وتأتي عسكرة الدولة نتيجة عمليتين متوازيتين: الأولى عملية تمثل فيها المناصب الإدارية الملجأ الأخير للحفاظ على معادلة توازن المصالح بين الجيش والنظام السياسي حيث يدعم الجيش شرعية النظام بينما يضمن الأخير توظيفًا مدى الحياة ضمن شبكات المصالح المتسعة. أما العملية الثانية فهي تأمين المتقاعدين من الجيش ماليًا والجهاز الحربي عمومًا من خلال قطاعات ريعية يستمر توريدها إلى قيادات الجيش ومؤسساته مدى الحياة.

الدراسة رصدت جانبًا من الامتيازات المالية فأشارت إلى راتب منصب الفريق الذي يصل إلى 40 ألف جنيه (نحو 7 آلاف دولار) إضافة إلى معاش يبلغ نحو 3 آلاف جنيه (500 دولار)، ويرتفع معدل الرواتب بالحوافز والإضافات ليبلغ مليون جنيه شهريًا (160 ألف دولار) وهو ما يعد حافزًا هامًا لأداء مراسم "الولاء" للنظام السياسي.

 ويقوم الجيش، بحسب الدراسة، بوظائف كثيرة بجانب الأمن الخارجي، مثل الإدارة العامة وتوفير البنية التحتية، مثل الكباري والطرق والمنشآت، ودعم الخدمات الحيوية من مياه وكهرباء وصرف.

 كما يقوم بتنظيم الأمن الداخلي من خلال الأجهزة الأمنية والسيطرة على قطاعات اقتصادية بأكملها مثل البترول والغاز الطبيعي، وقطاع السلع الغذائية والمنتجات الزراعية، و"بوابات" الاتصال عبر الإنترنت والتي يتحكم من خلالها في قطع وإعادة الاتصال إلى أنظمة المعلومات وقواعد خدمات الاتصال.

 ويحتل العسكريون أيضًا قطاع الخدمات المدنية، الجامعات والكليات الأكاديمية الخاصة والمراكز البحثية والمؤسسات القومية للتغذية ومؤسسات حماية المستهلك وهيئات تنظيم الري والمستشفيات الحكومية ومنشآت الرياضة وقرى الاستجمام الصيفي على البحر الأحمر والشواطئ الشمالية وقطاع الإذاعة والتلفزيون والمجلس القومي للشباب ومؤسسات الإعمار والإسكان والهيئات العامة التي تنظم رخص المدارس الأجنبية وهيئة التنمية الصناعية، والهيئة العامة للتعبئة والإحصاء وهي الجهة الوحيدة التي ترخص لجمع المعلومات في جميع الجامعات الحكومية والخاصة والأجنبية والمراكز البحثية والمنظمات الدولية، والقائمة تطول.

 ويسيطر الجيش أيضًا على قطاعات الاقتصاد الحربي، والتي تتكون من 4  قطاعات هامة: قطاع الإنتاج الحربي، المنظمة العربية للتصنيع (قطاع عام)، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع، إلى جانب الشركات والمشاريع الاستثمارية التابعة للجيش بما في ذلك النوادي العسكرية والفنادق وغيرها. ومؤخرًا امتد قطاع الإنتاج والاستثمار الحربي إلى مختلف السلع الإنتاجية والاستهلاكية – خاصة الغذائية - مع التوسع في الشراكات المحلية والأجنبية، وجميع تلك القطاعات لا تضم لميزانية الدولة أو رقابة البرلمان عليها وإنما هناك مكتب محاسبي خاص في وزارة المالية، بالتنسيق مع مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية.

 وتملك قيادات الجيش سلطة الرقابة المركزية على المؤسسات والهيئات الإدارية، فهيئة الرقابة العامة تمثل واحدة من أهم مؤشرات توغل الدولة العسكرية، والتي تحقق في المخالفات المالية وتتكفل بمكافحة الفساد عبر جميع مستويات الجهاز الإداري للدولة ما عدا جهاز القوات المسلحة والذي لا يخضع لأي رقابة مدنية سوى رقابة الرئيس، وهو الذي بقي إلى عهد الرئيس مبارك من خلفية عسكرية - مدنية في مواءمة بدت كأنها اتفاق ضمني بين دولتي العسكر والرئاسة.

وللعسكريين أيضًا نفوذ واضح في الوزارات والهيئات التي تتعامل بشأن الأراضي الزراعية والسكنية مثل وزارات الإسكان والإدارة العقارية والأشغال العامة والتنمية الزراعية والسياحة، ويسيطرون على جهاز التعمير المركزي الذي يقوم ببناء الطرق الدائرية والمساكن والكباري، وهيئة التجمعات المدنية الجديدة والتي يديرها حاليًا جنرال متقاعد من الجيش.

 كما يدير العسكر هيئة السياحة الوطنية ووزارة الأوقاف والهيئة العامة للمشاريع الاستصلاحية والتنمية الزراعية وهي الهيئة المسؤولة عن مشاريع توشكى وشرق العوينات وشمال سيناء والوادي الجديد.

وفي ظل القرارات الأخيرة لمرسي بتغيير كبار قادة الجيش، يتوقع الخبير الإستراتيجي زكريا حسين أن يتقلص نفوذ وصلاحيات القوات المسلحة داخل أجهزة الدولة بنهاية سبتمبر/ أيلول المقبل بعد إقرار الدستور الجديد.

وقال حسين لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء "إن تعيينات العسكريين في أجهزة الدولة الإدارية كانت تتم بأوامر من القائد الأعلى للقوات المسلحة (حسني مبارك) وكان يقتصر دور المؤسسة العسكرية على تقديم الترشيحات للرئيس، ولا تكون موضع تنفيذ إلا بعد استشارة الاستخبارات والتأكد من توافر درجة من الولاء للرئيس، ولكن بعد إقرار الدستور الجديد سيتغير ذلك النظام".

 وشدد سامر سليمان، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، على أن "ما قام به الجيش على مدار الـ30 عامًا الماضية من حكم مبارك من غزو للمؤسسات الإدارية والحكومية يجب أن يتوقف لأن هذه السياسة لا تتناسب والنظام السياسي المصري الجديد بعد الثورة".

وأوضح لمراسلة الأناضول أن ما تم من تعيينات لرجال الجيش في مؤسسات الدولة كان يتم خارج إطار القانون والدستور وتوقع سليمان أن يواجه مرسي هذه السياسة ويقوم بتقليص نفوذ جمهورية الجنرالات".

Son Guncelleme: Monday 13th August 2012 10:59
  • Ziyaret: 10035
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0