"كرمان" للأناضول: موقف الغرب من الانقلاب الفاشل بتركيا "مخجل ومؤلم"
قالت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام عن العام ٢٠١١، توكل كرمان (37 عامًا)، إن "موقف الدول الغربية من الانقلاب الفاشل في تركيا، كان مخجلًا ومؤلمًا ومخزيًا في آن واحد، والمحايدون حيال هذه المحاولة في حكم المتآمرين، ومن يجعل من نفسه أصمًا وأبكمًا أمام هذا الأمر يعد شريكًا في الجريمة".

وشهدت العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول، منتصف يوليو/تموز الجاري، محاولة انقلابية فاشلة نفذتها عناصر محدودة من الجيش تتبع منظمة "فتح الله غولن" (الكيان الموازي) الإرهابية؛ حيث حاولت هذه العناصر السيطرة على مفاصل الدولة.

ولفتت كرمان، خلال مقابلة خاصة مع "الأناضول" من مدينة أنقرة، إلى أن الموقف الغربي المخجل تكرر في السابق في مصر، موضحة: "كانت هناك ثورة سلمية في مصر (ثورة ٢٥ يناير/كانون الثاني ٢٠١١) جلبت حكومة منتخبة ورئيس منتخب، لكن العسكر انقلبوا عليهم (أعضاء الحكومة والرئيس)، وأودعوهم بالسجون (في إشارة للإطاحة بمحمد مرسي في ٣ يوليو/تموز 2013)، وبقى الغرب الديمقراطي صامت دون أن يبدي أية ردة فعل، والصمت من دول ديمقراطية كبيرة حيال انقلاب عسكري يعتبر بمثابة مباركة ومشاركة في الجريمة".

وأضافت: "تابعت ما صدر عن الدول العظمى من تصريحات ومواقف حيال ما حدث في تركيا، وقد أُصبت بخيبة بالغة، وأنا أشاهد الإدانات تتأخر، وأسمع تصريحات تلمح إلى أنها ستتعايش مع الانقلاب، ولن تتأثر علاقتها بأنقرة، ما كل هذا الجنون؟. تركيا دولة ديمقراطية وشريكة في (حلف شمال الأطلسي) الناتو وعضو في المجلس الأوروبي، وحققت قفزات تنموية هائلة، كيف تتأخر الإدانات الشديدة في وقت البلد أحوج ما تكون إليها؟".

ومضت كرمان متسائلة باستنكار: "ما المصلحة الاستراتيجية التي ستجنيها الحكومات في دول الغرب من إسقاط الديمقراطية في المنطقة؟، وهل تعي هذه الحكومات أنها بذلك تفتح جميع الأبواب والنوافذ لداعش والإرهاب لتصل إلى كل مكان ولتغدو خيارًا أمام الناس؟، وهل يغيظ الغرب التجارب الديمقراطية ولا يأنسون لغير الدكتاتوريات؟، وهل قدر شعوبنا أن تواجه مؤامرات حكومات الغرب الديمقراطية ضد توقها نحو الديمقراطية؟، وهل يجب استعادة الديكتاتوريات كلما حاولنا التحرر ومعانقة الحرية والكرامة؟".

وتابعت أنه "كان واضحا أن الانقلاب بتركيا لم يحظَ بأي مساندة شعبية؛ لأنه كان انقلاباً مذموماً ومعزولاً، ولم يكن لديه أي بُعد شعبي مهما كان صغيرًا. لقد ظهر الشعب التركي بشكل موحد ضد الانقلاب، وهذا كان سببا مباشرا في دحره وإفشاله".

واعتبرت أن "الديمقراطية تسير بخطى ثابتة في تركيا لتضعها في مصاف الأمم الكبيرة التي من الصعب سرقتها في ليلة ظلماء، مهما بلغت المؤامرات، ولا شك أن انتفاضة الشعب التركي ضد الانقلاب أعادت إلى الأذهان مظاهرات شباب الربيع العربي (بداية عام 2011)".

وحول موقف الأحزاب السياسية التركية من محاولة الانقلاب الفاشلة، أوضحت الناشطة اليمنية أنها "ناضجة جدًا ومنحازة إلى الديمقراطية، ولا تقبل أن يدفعها الخلاف السياسي مع الحاكم، إلى مساندة انقلاب عليه أو تصمت عنه".
وقالت: "اعتبرت تلك الأحزاب أن ما حدث كان بمثابة انقلاب عليها أيضا، ولا شك أن رفض الانقلابات مهمة الساسة في تركيا، والتصدي للانقلابيين أهم وظائف الأحزاب السياسية"

وفي ذات السياق مضت موضحة: "أما في دولنا العربية، وجد الانقلابيون أحزابًا سياسية تساندهم، وتدعوهم للانقلاب بسبب الخصومة السياسية حتى لو أدى ذلك إلى إجهاض التجربة، ولقد حدث ذلك تقريبا في كل دول الربيع، لكنه في مصر واليمن أكثر سفورا".
وأشادت كرمان بإدارة الحكومة والمعارضة للأزمة في تركيا، وقالت: "بدوا وكأنهم جميعا حكومة واحدة متماسكة، وأحييهم جميعا، أنا فخورة بهم للغاية، كنت في نيويورك حين حدثت المحاولة الانقلابية، وقد أعلنت في صفحتي على موقعي التواصل الاجتماعي تويتر وفيسبوك، أنني سأذهب إلى تركيا لتقديم تحية كبيرة لحزب الشعب الجمهوري (أكبر أحزاب المعارضة)، وقد زرته وعبرت لهم عن عظيم احترامي وتقديري، قلت لهم: (شكرا لكم)، فقال لي رئيس الحزب: (هذا واجبنا)، وفي عالمنا العربي عانينا كثيرا من أحزاب سياسية مستعدة لهدم المعبد، بسبب الخصومة السياسية".
كرمان اعتبرت أن "المحاولة الانقلابية لم تستهدف (الرئيس رجب طيب) أردوغان فحسب، بل استهدفت البلد بأكمله ومكتسباته الديمقراطية".
وأعربت عن ثقتها في أن "الأتراك سوف يعاقبون كل من تثبت إدانته في محاولة الانقلاب؛ لأن هذا الشعب جدير بالاحترام وجدير بالثقة، وبات الآن مصدر إلهام لكافة الشعوب بالدفاع عن الحرية، وعصر الانقلابات ولّت للأبد، والشعب التركي سيكون مستقبله أفضل في ظل حياة سياسية وديمقراطية حقيقية، ولا شك في ذلك".​

وأشارت إلى أنه "حينما خاطب أردوغان الشعب عبر (تطبيق) الفيس تايم (ليلة الانقلاب) عاد إلى ذهني مشهد الرئيس (المصري السابق محمد) مرسي (أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا في تاريخ مصر)، وهو يخاطب الشعب عبر الايباد بعد أن حاصره الانقلابيون، خشيت أن يكون المصير مماثل، خفت أن لا يتفاعل الناس مع دعوته للتظاهر بالسرعة والكمية الكافية، وهذا سيعني نجاح الانقلاب ببساطة، وسيعتبر عدم الاستجابة الكافية على أنها رضا شعبي بالانقلاب".

ومضت قائلة: "لكن صوت في قلبي ظل يقول لي: سيحدث ما يفشل الانقلاب، كنت قلقة وخائفة، لكني كنت انتظر شيء يحدث، وقد حدث، فقد خرجت الجماهير وحررت المطار (مطار أتاتورك الدولي) وتوالت تصريحات ومواقف القادة والأحزاب التركية، لقد صار واضحا أن هناك إجماعًا شعبيًا رافضًا للانقلاب، وأود التأكيد أن بيانات حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية (ثاني أكبر أحزاب المعارضة التركية) كانت مثيرة للإعجاب جدا".

وذكرت أن "(الرئيس التركي السابق)، عبد الله غل، قال تركيا ليست بلد في أفريقيا ولا في أمريكا اللاتينية ولن تسرق في ليلة ظلماء، هذا التصريح كان له وقع خاص عند الناس، وظهور الرئيس أردوغان وتصريحات (رئيس الوزراء) بن علي يلدرم المتحدية للانقلاب، كانت أحداثًا فارقة أيضا؛ إذ شجعت الناس على النزول للميادين والساحات، وما هي إلا ساعات حتى سقط الانقلاب، ويمكن القول إن ما حدث أسطورة نضالية، وحده الشعب التركي من صنعها ببطولته وعظمته".
وحول تداعيات إفشال المحاولة الانقلابية على المنطقة العربية، قالت كرمان إن "الشعوب العربية شعرت بثقة كبيرة بأن الانقلابات والثورات المضادة التي شهدتها بلدان الربيع قد بدأ العد التنازلي لسقوطها، وأن التجربة التركية ألهمتنا الثقة والإيمان، وأن موعد سقوط الانقلابات قد اقترب جدا، وما يزيدنا اطمئنانا أن معسكر الانقلابات العربي يتصرف بعصبية وخوف، كأنه يرى مصيره بوضوح، لا مستقبل للانقلاب، وتركيا قدمت ما يثبت ذلك".
وقوبلت المحاولة الانقلابية الفاشلة باحتجاجات شعبية عارمة في معظم المدن والولايات التركية؛ إذ توجه المواطنون بحشود غفيرة تجاه البرلمان ورئاسة الأركان بالعاصمة، ومطار أتاتورك بمدينة إسطنبول، ومديريات الأمن في عدد من المدن؛ ما أجبر آليات عسكرية كانت تنتشر حولها على الانسحاب، وساهم بشكل كبير في إفشال المخطط الانقلابي.

جدير بالذكر أن عناصر منظمة "فتح الله غولن" الإرهابية - غولن يقيم في الولايات المتحدة منذ عام 1999- قاموا منذ أعوام طويلة بالتغلغل في أجهزة الدولة، لا سيما في الشرطة والقضاء والجيش والمؤسسات التعليمية، بهدف السيطرة على مفاصل الدولة؛ الأمر الذي برز بشكل واضح من خلال المحاولة الإنقلابية الفاشلة.

ونالت كرمان جائزة نوبل للسلام عام 2011 لـ"نضالها السلمي لحماية المرأة وحقها في المشاركة في صنع السلام".

وتترأس الناشطة والصحفية اليمنية، حاليا، منظمة "صحفيات بلا قيود" (يمنية غير حكومية)، وشاركت في عديد من البرامج والمؤتمرات الدولية حول حرية التعبير، ومكافحة الفساد، والإصلاحات السياسية في العالم العربي.

AA
Son Guncelleme: Monday 1st August 2016 08:55
  • Ziyaret: 4621
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0