الضمير الأردوغاني.. بين المتكلِّم والفاعل

Wednesday 9th April 2014 08:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم محمود عبد الرزاق جمعة

لا شيء في السياسة -لا سيما بين السياسيين المخضرَمين- يحدث اعتباطًا، فكلُّ كلمةٍ محسوبةٌ، وكلُّ فعلٍ مخطَّطٌ له، ولعلّ القارئ المهتمّ بالشأن التركي لاحظ كيف كان رئيس الوزراء التركي أردوغان يتعامل مع القضاء والنيابة والشرطة قبل الانتخابات البلدية، وكيف أصبح تعامُله بعدها، ولعلّ القارئ المهتمّ أيضًا أدرك سر هذا التعامل قبل وبعد الانتخابات.

ببساطة، أذكر لك عزيزي القارئ ثلاث نقاط توضّح ما أقصده:

النقطة الأولى أن أردوغان قبل الانتخابات البلدية كان يتعامل مع القضاء على أساس أنه ذراع من أذرُع حركة "الخدمة"، ويتّهم القُضاة علنًا بالعمل على إسقاط الدولة التركية، وكان هذا مبرِّرًا له لنقل عدد هائل من القضاة من أماكنهم، بالإضافة إلى إقالة عدد هائل آخَر. والأمر نفسه ينطبق على تعامُله مع النيابة، فقد زاد عدد من أقالهم أو نقلهم من رجال القضاء والنيابة والشرطة على عشرة آلاف فرد. أضف إلى هذا أنه لم يوجِّه أي تهمة رسمية إلى أي من هؤلاء الذين أقالهم أو شرَّدهم بالنقل من مكان عملهم، بل انحصر الأمر في خطاباته التي يحشد فيها لحزبه في الانتخابات، فكان يُلقي عدة تهم شهيرة، أهمّها أن المنتمين إلى حركة "الخدمة" عملاء لأمريكا وإسرائيل وألمانيا، وأنهم يكوِّنون دولة موازية داخل الدولة، وأنهم أشبه بجماعة الحشاشين التي اشتهرت في التاريخ بتنفيذ العمليات الإرهابية.

أما دون ذلك فلم يفعل أردوغان شيئًا، فقط كلام وخطابات بلا عمل حقيقي، مما يشير إلى "جوفائيَّة" كلماته.

هنا إشارة إلى أن "الفعل" الحقيقي الذي فعله أردوغان هو: نقل وإقالة أعضاء الشرطة والنيابة والقضاء الذين سعوا للتحقيق في قضايا الفساد المتورط فيها أردوغان وحكومته وابنه. بالإضافة إلى إقرار قانون جديد للقضاء يقضي بأحقّية أردوغان في تغيير قضاة في مناصب عليا وحساسة في الدولة، دون أخذ رأي المحكمة الدستورية العليا.

النقطة الثانية أنه بعد الانتخابات لم يتخذ أردوغان إجراءات تجاه القضاء، تَحوَّل خطابه مع القضاء بعد الانتخابات، إلى ما يُشبه خطابَه مع حركة "الخدمة" قبل الانتخابات… مجرَّد كلام. تأمّل عزيزي القارئ ردّ فعله على قرار المحكمة الدستورية التركية بإعادة فتح موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" الذي كانت الحكومة التركية أغلقته قُبَيل الانتخابات البلدية. كل ما قاله أردوغان هو أنه "لا يحترم هذا القرار، وإن كان مضطرًّا إلى تطبيقه"! يا للعَجَب! أردوغان "مضطرّ" إلى تطبيق القانون! يقول هذا الكلام بعد أربعة أشهر مِن وَطْء القانون بالنِّعال وضرب عُرض الحائط به وبالدستور، والتلاعب بمئات القوانين وتعديلها لتتواءم وتتناسب مع رغبات رجال الأعمال الموالين له.

هل أدركتَ مقصدي عزيزي القارئ؟ أصبح موقف أردوغان من القضاء هو موقف المتكلم بعد أن كان الفاعل قبل الانتخابات، وكان قبل الانتخابات في موقف المتكلم من "الخدمة"، ولعلّه الآن يظن نفسه أصبح منها في موقف الفاعل.

أما النقطة الثالثة، وهي النقطة الشارحة الرابطة بين النقطتين السابقتين، فتبدأ من الأهمية الكبيرة للانتخابات البلدية، التي كانت تُطرَح على أساس أنها استفتاء على شعبية أردوغان، التي كانت كل التوقعات واستطلاعات الرأي تؤكد أنها أصبحت ضعيفة وأن أردوغان وحزبه فقدوا كثيرًا من قاعدتهم الشعبية.

الانتخابات البلدية يحميها رجال الشرطة الذين يُستدعَون إذا طرأ طارئ في أي لجنة، وكل مشكلة تطرأ فيها أو شكوى أو اشتباه في فساد أو ما شابه، يُحال إلى القضاء، فهل كان من قبيل المصادفة أن يظلّ أردوغان طوال ثلاثة أشهر ونصف سبقت الانتخابات (منذ السابع عشر من ديسمبر إلى آخر مارس) يُقيل وينقل رجال قضاء ونيابة، ويُقيل وينقل رجال شرطة (والنقل يكون إلى مدن نائية غير مؤثّرة في العملية الانتخابية)، ويأتي بآخَرين بدلًا منهم، خصوصًا في المدن المهمة مثل إسطنبول وأنقرة، التي يستشعر أردوغان الخطر على نتيجة الانتخابات فيها؟

لقد أدَّى هذا الذي فعله إلى وجود قاعدة عريضة من الموالين له في سلكَي القضاء والشرطة، ونضيف إلى كل هذا تلك الحادثةَ العجيبة التي انقطع فيها التيار الكهربائي عن اثنتين وعشرين مدينة تركية في وقت فرز الأصوات، والتي فسَّرها وزير الطاقة التركي بأن "قطة" دخلت محوِّل الكهرباء في ذلك الوقت فأدَّى دخولها إلى هذا الانقطاع!

وأضف إلى كل هذا أيضًا عزيزي القارئ حالات منع قنوات التليفزيون المعارضة من تصوير فرز الأصوات وفاعليات الانتخابات عمومًا.

طيِّب، احسب معي عزيزي هذه الحسبة: انتخابات على شعبية أردوغان وحزبه + قضاء وشرطة مواليان لأردوغان وحزبه + انقطاع الكهرباء في وقت الفرز + منع قنوات التليفزيون المعارضة من التصوير.

احسبها، ثم أبلغ نفسَك بالنتيجة.
CİHAN
Son Guncelleme: Wednesday 9th April 2014 08:00
  • Ziyaret: 4011
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0