الأهداف قصيرة المدى.. والأهداف بعيدة المدى

Monday 28th April 2014 10:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب محمود عبد الرزاق جمعة

إذا نظرتَ في ردود الفعل الأردوغانية وجدتَ تَمَرُّسًا على القيادة وتوجيه الجماهير حَسَب ما تتطلّبه الحال وما تُملِيه الظروف. ولقد كان ظرف الانتخابات البلدية خير شاهد على ذلك، إذ كانت الفترة الزمنية بين تفجُّر قضايا الفساد في السابع عشر من ديسمبر 2013، والانتخابات البلدية في نهاية مارس 2014، قصيرة نسبيًّا، ولا تتحمّل تدقيقًا ولا تمحيصًا لكل موقف أو لكل مشكلة. كذلك لم تكُن هذه الفترة كافيةً لإقناع المواطنين بكذب هذه القضايا وتلفيقها بالمنطق والعقل… لهذا عمد أردوغان إلى الضربات المتتالية التي تشتِّت الرائي والسامع فلا يستطيعان التركيز في ما يحدث، ولا استنباط واستخلاص الحقائق منه.

إذا تأمَّلنا ردود الفعل الأردوغانية في هذه الفترة نجده يوجِّه ضربات سريعةً بلا تأنٍّ ولا تروٍّ ولا تعقُّل، ومَن يحتاج إلى التعقُّل في خِضَمّ هذا الصراع الذي سيصدر الحكم فيه خلال ثلاثة أشهُر ونصف فقط؟ ضرباتُه كانت سرية ومركَّزة ومتشعِّبة، فهو من ناحية يُقِيل أو ينقل كل مَن يفتح بابًا للتحقيق في قضايا الفساد التي تفضحه هو وحكومته وحزبه ورجال أعماله، ومن ناحية أخرى يخلق عدوًّا وهميًّا هو "الدولة الموازية" ليقتطع من تفكير الرأي العامّ جزءًا غير صغير يسأل ويتساءل ويفسِّر ويحلِّل حول هذه "الدولة الموازية". بالطبع مع الوقت سيظهر أن كل هذا افتراءات وادِّعاءات منه، ولكن قبل مرور هذا الوقت سيكون فاز هو وحزبه في الانتخابات، ولن يهتمّ أحد بكونها افتراءات أو ادّعاءات، فهو بالطبع بريء، وإلا فكيف فاز؟

ومن ناحية أخرى يشغل قسطًا آخَر من تفكير الرأي العامّ بالتُّهَم التي يُلقِيها على الأستاذ فتح الله كولن وحركة "الخدمة"، فتدور الأسئلة في أدمغة الناس: هل كولن حقًّا خائن؟ هل كولن مدّعٍ؟ هل كان كولن يخدعنا وهو عميل لأمريكا وإسرائيل؟ هل "الخدمة" عملاء منتشرون في الداخل التركي بالفعل؟ لو أنهم عملاء فإن هذه ستكون الضربة القاصمة لتركيا!

وليس الهدف من بثّ هذه الأفكار والتساؤلات في أذهان الناس هو تشويه الخدمة، وإن كان هذا مأمولاً، ولكن الهدف هو تشتيت الناس مؤقَّتًا عن التفكير في قضايا الفساد التي لو فكّروا فيها لانهار الحزب والحكومة ورئيسها.

ومن ناحية أخرى تقوم حرب أخرى على مواقع الإنترنت التي تساعد في فضح الفاسدين عن طريق نشر مكالماتهم الهاتفيَّة المليئة بالأدلَّة الدامغة على تورُّط الحكومة ورئيسها ووزرائه وابنه في هذه القضايا… بالطبع هذه الحرب ستنتهي خلال عدة أشهُر بنتيجة حتمية، هي عودة هذه المواقع كما كانت، ولكن قبل مرور هذه الأشهر ستكون الانتخابات قد انتهت، ويكون هذا دليلاً واضحًا على ثقة الناس بأردوغان وحزبه.

وهكذا امتلأت كلمات وخطابات أردوغان ورجاله بهذه الادِّعاءات والافتراءات، وتجاهَلَت كلماتُهم وخطاباتُهم أيَّ حديث عن قضايا الفساد، حتى تكون النتيجة على المدى القصير أن الناس إلاَّ قليلاً لم يفكِّروا في تورُّط أردوغان ورجاله في قضايا الفساد.

على الجانب الآخَر إذا تأمّلنا ردود فعل الأستاذ فتح الله كولن، الذي سمَّاه أردوغان بـ"النبيّ الكاذب"، وسمَّى جماعته بـ"الحشَّاشين الإرهابيين"، فسنجد رجلاً يعمل حساب المستقبَل مهما كان هذا المستقبَل بعيدًا، فهو دائمًا هادئٌ في حديثه، لا يُسِيء إلى مَن أساء إليه، ولا يسبُّ مَن سبَّه، ولا يدعم أشخاصًا بل أفكارًا، ولا يدعو إلى الكراهية بل إلى المحبَّة… لماذا؟ لأنه -كما قال لِمُحِبِّيه في جماعة "الخدمة" - يجب أن لا ننطق بكلمة نندم عليها في ما بعد، فكل ما يحدث الآن أمور وقتية، غيمة ستزول، ولن يبقى إلاّ الأُخُوَّة بيننا، "فلا تقولوا ما تخجلون يومًا إذا ذُكِّرتُم به".

كذلك حين يتحدث أردوغان عن إغلاق المدارس التحضيرية التركية التي أنشأتها جماعة "الخدمة"، نجد أنه لا يهتمّ بالخلاف الحاليّ، ولا يهتمّ بأن هذه المدارس مِلْكٌ لأفراد "الخدمة"، فهذه كلها أمور سيحسمها القانون والدستور مع الوقت… بل كل ما يهمُّه هو نتيجة إغلاق هذه المدارس، فيقول بكل عقل: "ولماذا تُغلِقونها؟ اتركوها تعمل وعيِّنوا فيها مَن تشاؤون!" إنه حريص على مستقبَل تركيا المتوقِّف على مستقبَل تلاميذها وشبابها، إنه يعمل ويفكِّر دائمًا من أجل أهداف بعيدة المدى، عظيمة الأثر.

المشكلة الآن هي الفخّ الذي يسقط فيه المجتمع التركي الذي لم يُفِق بعدُ من الضربات الأردوغانية قصيرة المدى. المشكلة أن كثيرين في المجتمع التركي وقعوا في الفخّ واعتبروا فوز حزب العدالة والتنمية اعترافًا بنزاهته ونزاهة رئيسه، نَاسِين أو مُتَناسِين أن النزاهة لا يُستفتَى عليها، وأن الأغلبية اختارَت من قبلُ كثيرًا من الأباطرة.
CİHAN
Son Guncelleme: Monday 28th April 2014 10:00
  • Ziyaret: 3965
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0