في نقد الدولة والسلطة

Saturday 26th April 2014 02:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب علي بولاج

تعتمد حكومات المجتمعات التقليدية في اكتساب شرعيتها على شخصٍ بعينه أو سلالةٍ بعينها، ويسعى الحاكم فيها إلى إيجاد أساسٍ لمُلكه يتَّسم بالقداسة، رغم أن هذا الحاكم ليس -في حقيقة الأمر- سوى محض إنسانٍ وليس إلَهًا، فلم يكُن إمبراطور اليابان الذي اعتُبر ابنًا للشمس، ولا كسرى الفرس أنوشروان الذي شاع الاعتقاد بجريان دمٍ إلهىٍّ في عروقه، ولا الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر الذى ادَّعى الربوبية، ومثله فرعون مصر، ولا ملوك أوروبا الذين اعتُبر أن لأجسادهم وأرواحهم نوعًا من القداسة – لم يكونوا جميعًا أكثر من محض آدميين، لكنَّ كلاًّ منهم قد أمكنه أن يقول: "أنا الدولة، والدولة أنا"، استنادًا إلى مثل هذه الادِّعاءات.

ولم يكُن من استثناءٍ لهذه القاعدة سوى المفهوم الإسلامي للسياسة، وهو مفهومٌ لا يخلع على الحكام أي شكلٍ من أشكال التقديس. ورغم ذلك فإن الأُمَوِيِّين قد جعلوا من فكرة خلافة الله جزءًا من نظامهم السياسي، مقتفين في ذلك أثر البيزنطيين. ثم كان أن سار العثمانيون على خطاهم، فألصقوا بسلاطينهم لقب "ظلّ الله على الأرض" الذي لُقّب به الإمبراطور البيزنطي جستينيان. ويدور عددٌ من الأقاصيص المختلَقة حول هذا اللقب. أما حقيقةُ وجود قانونٍ أعلى مستقلٍّ عن الخلفاء والسلاطين فقد أنقذت أشكال الحكم التي عرفها تاريخ الإسلام من أن تصبح أنظمةَ حكمٍ مُطلَقٍ أو مَلَكِيّ. ولا يعني ذلك -بطبيعة الحال- أن الحكام دائمًا ما ساسوا بلدانهم على نحوٍ صارمٍ في موافقته أحكام الشريعة الإسلامية.

وبينما ارتكزت نُظُم الحكم المُطلَق على أشخاص فعليِّين، فإن المفهوم الحديث للدولة نزع عن إدارة الحكم طابعها المُشَخْصَن، مؤدِّيًا بذلك إلى ظهور فكرة الدولة غير المُشَخْصَنة، حتى صارت الدولة الحديثة في الواقع نسخةً علمانيةً من اللاهوت المسيحي الذي يفترض أن الله قد تَجَسَّد في المسيح وأن الكنيسة هي جسدُ يَسُوع. وبينما سعى الفلاسفة الذين حاولوا تجريد الكنيسة من سلطتها إلى تأكيد الحكم المطلق، انصبَّ تركيز أولئك الذين أرادوا نزع سلطان الحُكَّام المستبدِّين على البرلمانات، غير أن فكرة الدولة غير المُشَخْصَنة قد كُتب لها في النهاية أن تَسُود، حتى إن الفيلسوف الألماني هيجل قد رأى الدولة بوصفها إرادة الله على الأرض والهدف الحقيقي من حركة التاريخ، واعتبر أنه ليس للخلاص أن يتأتَّى من خلال الشؤون المدنية التي لا علاقة لها بالتفوق الرُّوحِيّ، بل من خلال تكريس المرء نَفْسَه للرسالة المتعالية والراسخة التي تضطلع بها الدولة.

لكن أنصار حركة الإصلاح التي شهدتها الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر (المعروفة باسم تنظيمات) ودعاة الملكية الدستورية والجمهورية ما لبثوا جميعًا أن حوَّلوا هذا التصوُّر الغربي، بمجرد استيراده، إلى نموذجٍ "للاستبقاء الأبدي للدولة"، واعتبار السلطان "ظلَّ الله على الأرض". وفي خِضَمِّ سعيهم إلى السلطة أخفق الإسلاميون في تقليب هذا المفهوم الحديث للدولة على مُختلِف وجوهه ونقده عقليًّا، وهو المفهوم المُستقَى من الغرب والمليء بالمحتوى الإلهي، مضافًا إليه بعض المكونات المستمَدَّة من تاريخنا، إذ يرون الدولة قائمًا بِدَور المُخلِّص. وهذا ما فعله جمال الدين الأفغاني تقريبًا، إذ جعل من فكرة الدولة القومية الحديثة أسطورة مسيحٍ جالبٍ للخلاص. وتمامًا مثلما خاض المسيحيون الأوائل كفاحهم ضدّ الإمبراطورية الرومانية المستبِدّة لنحو 300 عام، ليتمكنوا -أخيرًا- من إدخال روما في حظيرة المسيحية وإحياء الفاتيكان بوصفه روما بعد أن اتخذت سَمْتًا دينيًّا، وذلك في أعقاب سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، مثلما فعل المسيحيون الأوائل ذلك جعل الإسلاميون من الدولة القومية الحديثة جزءًا من الفلسفة السياسية الإسلامية. وبعد مغامراتها التاريخية والفلسفية أصبحت الدولة الحديثة مُنَاوِئًا لله تعالى، فكما أن الله لا يقبل الأنداد، فإن الدولة الحديثة لا تقبلهم. هذا ما أكده بكر بوزداغ، ذو الخلفية الدينية، مؤخَّرًا. ثم إنها تكشف عند الضرورة عن قوتها و"تُطهِّر" غرماءها بقتلهم، مع توافُر الغطاء السياسي لأفعالها تلك.

وحينما تَقبلُ الدولةَ كما هي، دون مضاهاتها بالتُّراث الفلسفي والشرعي للإسلام، لن يمكنك أن تعزو إليها أي صفةٍ ليس بمقدورك أن تعزوها إلى الله تعالى، فهي تحتاج إليك لحماية ذاتها وتلقي بنفسها بين ذراعيك بكل سهولة، لكنك ما إن تعتقد أنك أحكمتَ سيطرتك عليها حتى تكون هي سيطرَتْ عليك بالفعل وأمَّمَتْك وأحلَّت رُوحَها فيك، وهو ما يبدو قريبًا من الأسطورة الصينية القديمة التي تحكي أن بطلًا قد ولج إلى أحد الكهوف لإنقاذ كنزٍ يخصُّ جميع سكان قريةٍ ما من أحد التنانين، وقبله كان مئاتٌ من الأبطال قد دخلوا الكهف، غير أن أحدًا منهم لم يعُد. ثم إن البطل يقتل التنين، لكنه ما إن يهمّ بلمس الكنز حتى يبدأ جسده في التغيُّر، ليتحول هو ذاته إلى تنينٍ يحمي الكنز. أقول: حزب العدالة والتنمية هو هذا البطل!
ــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة تودايس زمان، 21 أبريل 2014.
CİHAN
Son Guncelleme: Saturday 26th April 2014 02:00
  • Ziyaret: 3964
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0