لكي نتَبيَّن معنى "المؤامرة"

Thursday 17th April 2014 12:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم علي بولاج

إن أولئك الذين يعتقدون أن الأزمة الحالية في تركيا ليست أكثر من صِدامٍ بين الحكومة من جهةٍ وحركة "الخدمة" من جهةٍ مقابلة، لا يرون سوى جانبٍ واحدٍ من جوانب الصورة الكلية، تلك الصورة التي تشي أبعادها بحقيقة الوضع المُقلِق الذي نواجهه حاليًّا والذي يربو على أن يكون مجرَّد نزاعٍ بين الحكومة والحركة.

فالأمور آخذةٌ في التكشُّف على نحوٍ وئيد، كما أن فكرة "المؤامرة" هي المفتاح الرئيسي لوصف الاشتباك الدائر، إذ أبرَزَ تصريحٌ أدلى به يالتشين أكدوغان، كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي، بخصوص مؤامرةٍ حِيكَت ضدّ الجيش، أبرَزَ حقيقةَ أن كل ما نشهَدُه ليس سوى القمة الظاهرة لجبل الجليد. ولعل ما دفعني إلى خوض غمار هذا النقاش هو ما أدَّى إليه التصريح من نقاشاتٍ حول إعادة المحاكمات في قضِيَّتَي أرجنيكون وباليوز (المطرقة) الانقلابيتين، التي قد تمتد لتشمل أكثر من 40.000 متَّهَمًا. وكذلك تجدر الإشارة إلى أن بعض المشتبه بهم في هاتين القضيتين قد أُفرِجَ عنهم بالفعل، إذ أُطلِقَ سراح بعض المتهمين في قضية أرجنيكون -على سبيل المثال- بعد فترةٍ وجيزةٍ من تصريح أكدوغان، وذلك على الرغم من توجيه تهمة محاولة الانقلاب على الحكومة إليهم.

لقد خضعت تركيا لحكم نظامٍ يقوم على الوصاية حين بسطت جمعية الاتحاد والترقِّي سيطرتها على مفاصل الدولة. تلك الوصاية التي كانت لها أبعادها المحلية والدولية. ومع مطالع القرن الحادي والعشرين نجح حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى السلطة بفضل التقدير السليم للأمور مِن القوى الدولية، وبفضل التحالف والتوافق بين كل الطوائف الدينية تقريبًا، مما يعني أن الحزب عبارة عن ائتلاف ومظلة جامعة لها القدرة على تمثيل مختلف الاتجاهات والجماعات تحت سقفٍ واحد. ثم كان أن حقَّقَت تركيا تقدُّمًا سريعًا نَمَّ عن أدائها الاقتصادي اللافت وقدرتها على الاندماج مع دول العالم. مع ذلك أخذت الأمور في التغيُّر منذ عام 2011. وقد خصَّصتُ الأعمدة الأربعة السابقة لمناقشة العوامل الخارجية لهذا التدهور، غير إن هذه العوامل وحدها لا تكفي -بطبيعة الحال- لتفسير التراجع، فللعوامل الداخلية -التي قد يكون تأثيرها حاسمًا- أهميتها المماثلة. وقد جاءت ملاحظة أكدوغان بشأن "المؤامرة" علامةً على استعادة الدولةِ نسختَها القديمة. لكنَّ أفراد حزب العدالة والتنمية لا يدركون ذلك فى ما أتصور، لذا يكتفون بمتابعة السِّجال الحالي عن النزاع بين الحكومة وحركة "الخدمة"، ويُطلب منهم -بكل بساطةٍ- تقييم المسألة من هذا المنظور.

إن الدولة كِيانٌ لا يثق بكل ما عداه، ويفترض تأصُّل قوته، وهي تعتمد على آيديولوجيات أو جماعات مختلفة لحماية نفسها حسبما تقتضي الملابسات المحيطة، لكنها في صميمها تعيش لنفسها فقط. أما أولئك الذين يتكلفون لعب دور حمايتها فيحسبون أنهم أحكموا قبضتهم عليها، غير أنهم ما يلبثون أن يدركوا أنهم ليسوا سوى حُرَّاسٍ. والدولة لا تهادن أحدًا، بل قد تتخذ إجراءاتٍ ضدّ الشيوعيين أو العمال أو الأكراد أو الترك أو اليساريين أو اليمينيين أو الإسلاميين. ولا يُمكن لغير القانون أن يهيمن عليها. ثم إن هؤلاء التوَّاقين إلى الاضطلاع بدور حُماتها إنما يتفادَوْن الضمانات التي يكفلها القانون. كذلك فإن للدولة آلياتها وأساليبها وتكتيكاتها الخاصة التي قد يُلجَأ إليها عند الضرورة. ومن المثير للاهتمام أنه حتى القوميون الذين يُروِّجون لفكرة سيادة الدولة ويباركون آيديولوجيتها قد وقعوا ضحايا ممارساتها من قبلُ بدرجةٍ كبيرة. وقد تعمل الدولة على استخدام القوميين ضدّ اليساريين، والسُّنَّة ضدّ العلويين، والعلمانيين ضد المتدينين، حفاظًا على نفسها. والآن تؤلِّب المتدينين بعضهم على بعض. وفي هذه الدولة، يعمد المركز إلى اتخاذ القرارات الحيوية ويبسط سيطرته على الهيكل البيروقراطي بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة، حتى إنهم سيعملون على إدخال الشيوعية لو ارتأوا في ذلك الخيار الأمثل، كما قد يلجؤون إلى تحكيم الشريعة كأسلوبٍ للحكم في تركيا. فهل كنت تحسب أن أولئك الذين قدَّموا أنفسهم بوصفهم إسلاميين سيدافعون عن النظام المصرفي الربوي؟

إن الدولة نفسها تُمثِّل طائفةً توجد لتحافظ على سلطتها وتحمي امتيازاتها، وقد يكون بوسعك القضاء على هذه الطائفة، ليحلّ الذين يُزيحون محلّ الذين يُزاحون، لكنَّ نفس المصير يكون بانتظارهم في نهاية المطاف.
CİHAN
Son Guncelleme: Thursday 17th April 2014 12:00
  • Ziyaret: 3743
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0