يا أولي الألباب والضمائر..!

Tuesday 15th April 2014 04:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- لم نتمكّن بعدُ من إجراء دراسةٍ ومحاسبةٍ للفترة التي أخذتِ الدولة التركية ترمّم نفسها فيها مرة أخرى بعقلية "جمعية الاتحاد والترقي"، بل حتى لم نجرِ تقييماً دقيقاً لأضرارها على الوجه المطلوب. إلا أن الحياة معلمة رائعة، وبوسعنا أن نجري تقييماً – على ضوءها - حول بعض الأحداث والقضايا على سخونتها.

إن ما نشهده اليوم عملية سياسية. والسياسة تقف وراءها قيمٌ أخلاقية وقواعدُ قانونية، وهي التي تقودها وتوجّه مسارها. وإن كانت السياسة فنَّ الإدارة والنشاط الذي ينظّم علاقات الرؤساء مع المرؤوسين فلا يمكن أن نفكّرها بمعزلٍ عن الأخلاق والقانون. بناء على ذلك، فإن الساسة إذا ما انتهكوا القواعد الأخلاقية والقانونية عند محاولتهم تصفية منافسيهم فإن هذا الكفاح يخرج عندئذٍ من "إطار السياسة الإيجابية" ليصنَّف في "إطار السياسة السلبية" التي تتكوّن أدواتها من "الأموال والغبش والضغط". وعلينا أن لا ننسى أن العنف والإرهاب والحرب هي الأخرى من أدوات السياسة. ولكن لا يمكن تمجيد مثل هذه السياسة البتة، ولا يمكن لمن لديهم مخاوفُ أخلاقيةٌ وقانونية، خاصة أصحاب الكلمة وأرباب القلم والمثقفين أن يدافعوا عنها، بأي وجه من الوجوه، وإلاّ فهم إما انتهازيون وإما منحازون إلى حزب محدّد.

لا ريب في أن الذهب والغبش وخلق تصوّرات مغلوطة عن طريق الدعاية السوداء والتزوير وممارسة الضغط ليس من وسائل السياسة الشرعية أو القانونية. ومن الأمثلة الواضحة على التزوير هو اتهام الأستاذ فتح الله كولن بتشكيل "دين موازٍ" (حاشا وكلا). ووفقاً لهذه التهمة، فإن مفهوم الإسلام لدى الأستاذ كولن لا تسعه الحدود المؤطّرة بعقيدة التوحيد، فيلجأ إلى تشكيل "دين موازٍ داخل الإسلام"، على حد هذا الزعم.

إن الذين يمارسون الإبادة الجماعية في إطار الصراعات الطائفية التي تعصف بمنطقتنا يستمدون "شرعية مزعومة" على تصرّفاتهم البشعة من تكفير أتباع المذاهب الأخرى. لذا فإن السؤال التالي يكتسي أهمية كبرى: "كيف يفجّر شيعيٌّ مسجداً تابعاً للسنة، أو سنيٌّ ضريحاً للشيعة فيتسبّب في قتل مئات الأبرياء؟ الجواب هو أن هؤلاء القتلة لا يعتبرون غيرهم "مسلمين". بالإضافة إلى ذلك، فإنهم يعدون من لا ينتمون إليهم "شرّاً وجودياً مطلقاً" ويؤمنون بأن محوهم وإزالتَهم من الوجود من متطلبات معتقداتهم ومبادئ كفاحهم.

"الأستاذ كولن من أحد العلماء البارزين الذين أخرجتهم تركيا"

لأول مرة في تاريخ تركيا، تتعرّض جماعة كبيرة بهذا الحجم لعملية شعواء في سبيل توجيه التصورات وإدارة الأفكار لدى الرأي العام، فيطلقون على قائدها أوصافاً من قبيل "النبي الكاذب، والولي المزوّر، والعالم الأجوف"؛ ويصفون آلاف المنسوبين إليها بـ"الحشاشين المخدَّرين وفاقدي الوعي، وعلق، بل هم دونه"؛ وينعتون أماكن إقامتهم بـ"الجحور"، وغيرها كثيرة لا داعي لذكر جميعها! أما الصورة المراد تشكيلها في الأذهان فهو: إن هؤلاء الناس مجرّدون من الوعي والعقل، وهم بمثابة قطيع – حاشا وكلا – يتلقون الأوامر من الأعلى، لذلك يشكّلون خطورة مثل أعضاء منظمة الحشاشين، ما يستوجب تطهير المجتمع – بل تطهير الدولة! – منهم في أسرع وقت ممكن. وإذا كان الأمر كذلك، فإن جميع أنواع سوء المعاملة بهم جائزة.

أما الواقع فإن الأستاذ كولن من بضعة العلماء المرموقين الذين أخرجتهم بلادنا، وقد تجاوزت مهمته ورسالته الحدود الوطنية والقومية وكسبت صفة "الدولية"، كما أن نطاق رؤيته اتسع ليشمل العالم كله. وله باع طويل في التفسير وأصول الفقه وعلم الكلام والتصوّف الإسلامي في إطار الكتاب والسنة، وعلى وجه الخصوص له قدم راسخة في مجال الحديث والسيرة النبوية. زد على ذلك، فإنه واحد من عدة شخصيات يستطيعون استخدام اللغة التركية بأبلغ صورة وأحسنها. أما المنهج الذي يعتمده في استقاء المعلومات والتفكير فليس المنهج الهرمينوطيقي ولا المنهج التاريخي ولا أي منهج عقلي أو منهج عشوائي، وإنما هو أصول الفقه الشرعي المعتبر في الإسلام. وعلى الرغم من أنه ليس خريجاً جامعياً ولا يتمتّع بأي وصف أكاديمي، إلا أن الذي يجعله "عالماً إسلامياً" أصلاً هو نشأته على ذلك المنهج التقليدي. لذلك فإن مرجعيته هي القرآن والسنة، وهو متوافق مع الهيكل العام للإسلام (السواد الأعظم)، وملتزم بجادته الكبرى (التقليد). أضف إلى ذلك أنه يتابع العالم الحديث والعلوم الحديثة والفلسفة الغربية عن كثب، ويشير إلى مراجعها بسهولة إذا اقتضى المقام والسياق. وكما هو عند كل عالم إسلامي معتبر، فإنه يولي اهتماماً بالحياة الاجتماعية والتجارة والاقتصاد والسياسة الإقليمية والدولية وبالتعليم والتربية. (انظر كتاب: الدين والمدينة والجماعة: على ضوء نموذج فتح الله كولن للكاتب). وإذا كان العلماء ورثة الأنبياء – وهم كذلك بلا شك كما بين الرسول صلى الله عليه وسلّم – فإنه يجوز، بل يجب على العلماء والأساتذة أن يهتموا بكلّ ما اهتم به الرسول عليه الصلاة والسلام. فمثلاً إن أبا حنيفة كان من كبار المجتهدين، وكان في الوقت ذاته يشتغل بالتجارة. وقد دفع ثمن مقاومته ضد الحكام المستبدين بحياته. وانطلاقاً من ذلك، فإذا كان المتدينون المحافظون يتساءلون "وما علاقة الأستاذ كولن بالسياسة والتجارة، ولماذا يتدخّل في هذه الشؤون؟" فإن معنى ذلك أن عقولهم أصبحت "علمانية" وهم لا يشعرون.

وبطبيعة الحال، من الممكن توجيه انتقادات لبعض الأعمال والنشاطات التي تقوم بها الخدمة، لأن الخطأ يعتري كل حركة بشرية وسلوك إنساني، ولكن ينبغي أن تكون الانتقادات موضوعية وتأتيَ في إطار أسلوب ومنهج صحيحين نزيهين. فعلى سبيل المثال، يجب على من يشيرون إلى الآراء الخاطئة للأستاذ كولن أن يكونوا على مستواه ومن صنْف العلماء، كما ينبغي أن تتقيّد انتقاداتهم بالآداب والأصول المقرّرة في الإسلام دون أن تخرج من إطار الموضوع وسياقه. فإن كانت القضية تتعلق بالتفسير أو علم الكلام وما شابه فلا بد من البقاء في إطاره. وتأسيساً على ذلك، فإن السياسيين والكتاب الجهلاء في أعمدة الصحف ليس لهم أن ينتقدوا الأستاذ كولن بسبب أفكاره الإسلامية.

"إذن فما بال هؤلاء أساتذة الشريعة؟"

بالإضافة إلى ما سبق، فإن الأخطاء المنسوبة إلى الأستاذ كولن ينبغي أن لا يكون مصدرها شهاداتٍ ورواياتٍ مشكوك فيها، ولا أخباراً وإشاعاتٍ منشورةً في الصحف، بل لا بد من الاعتماد على خطاباته وكتاباته هو. لذا كان بإمكان رجال العلم والأساتذة أن يتفوّهوا ببضع جُمَل على الأقلّ عندما أُعلن الأستاذ كولن خلال اجتماع كـ"نبي كذاب" وخطاباته وكتاباته النافية لذلك معروفة للجميع، وذلك لتحديد مفعول هذا الخطاب الحادّ وتهدئة الأجواء المتوتّرة. ولو كان تحقّق ذلك لكان تمّ الحفاظ على عزة العلم وشرف العلماء وكرامتهم، إلى جانب الدفاع عن حقوق الأستاذ كولن. لنقلْ إن السياسيين غاضبون، فمال بال هؤلاء أساتذة الشريعة؟ ألا يجب عليهم أن يصبّوا الماء على النار؟ فإذا جنّ جنون هذا المجتمع فمن ذا الذي سيساعده على استرداد عقله وصوابه، ومن سيعيد وجدانه إلى قلبه؟ فهل سينحر بعضنا بعضاً؟

إن جميع أساتذة الشريعة يعلمون جيداً - إن ليسوا جهلاء - أن الأستاذ كولن لم يدعُ على أحد، وإنما عمد إلى "المباهلة" و"الملاعنة" الوارد أصلهما في القرآن الكريم، وذلك من أجل التصريح بأنه لا يحيك مؤامرة ضد الحكومة. وعلى الرغم من تحريف حقيقة هذه العادة والممارسة الإسلامية طيلة الشهور الماضية، فإنه لم يخرج أحد باسم الإسلام من هؤلاء الأساتذة ليصحّح هذا التحريف.

لنا منهج محدّد نتبعه في إصدار الأحكام. فمثلاً هل ثبت أن الأستاذ كولن أعرب بلسانه أو عبْر مؤلفاته عن فكر يستحقّ الانتقاد؟ ثم هل ثبت خطأ هذا الفكر (الثبوت)؟ وإن ثبت ذلك، فهل الكلام الذي تلفّظ به يدل على هذا المعنى؟ لنفترض أنه يدل عليه بحسب رأيكم، وفي هذا الحال لا بد من استفسار الأستاذ: أهذا هو مقصودك؟ إذن ألا ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار أن إصدار الحكم على إنسانٍ وإخراجه مع مَن يحبهم من الملة دون مراعاة المبادئ الثلاثة (الثبوت والدلالة ومقصد البيان) وبالٌ وإثم كبير يستوجب العقاب في الآخرة؟

يمكن للسياسيين أن ينتقدوا الأستاذ كولن بسبب مواقفه وتصرّفاته المتعلقة بالسياسة، وهذا من حقهم. ولكن ليس من حقهم وصلاحيتهم أن يخرجوه من دائرة الإسلام. نعم يمكن لهم أن ينتقدوه وأن لا يرغبوا في العمل معه سوية ولا يعقدوا معه أي شراكة، إلا أنه لا يمكن ولا يجوز لهم أن يعاقبوه وأفراد حركة الخدمة بصورة جماعية، وأن يجعلوهم هدفاً سافراً للأشرار بتهمة تشكيل "دين موازٍ"، وأن يسمحوا لمن لا يعرف حتى النطق بكلمة التوحيد ويصرخ بدل ذلك قائلا "لا إله محمد" (حاشا) - كما قال أحدهم عند هجومه على قناة سامانيولو– وللمهمشين المدمنين على المخدرات لكي يهاجموا على مؤسسات الخدمة. وذلك لأنه من حق الأستاذ أو أي أحد غيره أن يتبنى تصوّراً عن الدين مختلفاً عن تصوّرات غيرهم.

منذ شهور، يعيش مئات الآلاف من المؤمنين والمؤمنات في جو من الحزن والأسى والألم، ويذرفون الدموع ويبكون، وتنهار العديد من العائلات. أليس هذا ذنباً وأمراً مؤسفاً؟ أما كان يجب علينا أن ننصر إخوتنا، بغضّ النظر عن الجماعة أو الفريق الذي ينتمون إليه، بموجب قول الرسول عليه الصلاة والسلام (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا)؟ وأين نحن من "البنيان المرصوص" الذي يتعيّن على أهل القبلة الواحدة أن يكونوا مثله؟ وأين نحن من "المؤمنين كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟" وأين نحن من "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا"؟ كيف نسينا كلها في لحظة واحدة؟ هل جفّفت السلطة وعشق الاستهلاك منابع العطف والرحمة في قلوبنا؟

وإذا ما بدأ السياسيون إصدار الحكم على علماء الإسلام والأساتذة والجماعات فإنه سؤدّي إلى تزويد الدولة والسلطات بصلاحيات في غاية الخطورة. وليست أي سلطة في وجه الأرض باقية إلى الأبد؛ فقد تأتي غدا سلطة أخرى تفعل بأصحاب السلطة السابقة وبالجماعاتِ المدعومة من قبلها ما تفعله هي اليوم بالآخرين، فيجيز لنفسها الاستيلاء على الأموال والمدارس والمؤسسات المالية للجماعات التي لا تحبها، وتزعم في نفسها الصلاحية في تصفية وجودها. والجماعات والفرق المسانَدة من قِبَل مَنْ يوجّهون ضربات لحركة الخدمة قد تتلقى فيما بعد ضربات مماثلة من الآخرين. ذلك لأن اليد التي توجّه تلك الضربات هي في الحقيقة يد الدولة، وإن روح هذه الدولة وعقليتها تنتقل من جسم لآخر وتعود!

فضلاً عن كلّ ذلك، فإذا جماعةٌ تتبنى أفكاراً وممارساتٍ مختلفةً ضمن أهل السنة أنفسهم تُحرم من حق الحياة فكيف يتم الحفاظ على حريات وحقوق أتباع المذاهب الأخرى وغير المسلمين والمنتمين إلى أفكار ورؤى فلسفية مختلفة؟ لا شكّ في أن المسلم الذي لا يعتبر الشيعيّ أو السنّي من أهل القبلة ولا يحترم حقوقه فهو يشكّل أكبر تهديد للآخرين.

نكرّرها منذ شهور: من حاكوا مؤامرة باسم القوى الخارجية ضد الدولة، ومن حاكوا مؤامرة للإطاحة بالحكومة، ومن دخلوا غرف النوم بالطرق غير القانونية وانتهكوا الحرمات فليبحثوا عنهم وليجدوهم ويعاقبوهم. أما التذرّع بهذه الحجة ومحاولةُ التستّر على فضيحة الفساد والرشوة، وشيطنةُ جماعةٍ وظلمُ مئات الآلاف من الناس في إطار الإستراتيجية المتبعة في الانتخابات فهو عيب وجريمة وإثم في آن واحد.

يا أولي الألباب والضمائر! تعالوْا لنفكّرْ مرة أخرى. لنقرأ سورة العصر لكي نعود إلى أنفسنا. CİHAN
Son Guncelleme: Tuesday 15th April 2014 04:00
  • Ziyaret: 4820
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0