العدالة والتنمية.. والفتنة

Thursday 29th May 2014 07:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم محمود عبد الرزاق جمعة

الفتنة.. كلمة شديدة الوطأة على النفس، عظيمة الأثر على الناس، يقع فيها المرء وهو لا يدري أنه واقع، ويغرق فيها ولا يدري أنه غارق، وكلما ازداد فيها غرقًا ازداد لها إنكارًا. والأحداث الجارية في العالَم الإسلامي اليوم، وأخصّ هنا تركيا التي كانت -وربما لا تزال- أملاً لكثيرين من المسلمين في مختلِف الدول الإسلامية في العالَم، هذه الأحداث تؤكِّد أن كثيرين منَّا واقعون في الفتنة منغمسون فيها حتى أذقانهم. فأيُّنا مفتون، وأيُّنا نأى بنفسه عن الفتنة؟!

يُروَى عن حذيفة (رضي الله عنه) أنه قال يُرشِد المسلمين: "... فمن أحَبَّ منكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا فلينظر، فإن رأى حرامًا ما كان يراه حلالاً، أو رأى حلالاً ما كان يراه حرامًا، فقد أصابته".

هكذا بوضوح، إذا كنتَ ترى شيئًا ما حلالاً، ثم أصبحت تراه هو نفسه حرامًا، فقد وقعت في الفتنة. وإذا كنت ترى شيئًا ما حرامًا، ثم أصبحت تراه هو نفسه حلالاً، فقد وقعت في الفتنة.

وإذا تأمَّلنا مواقف حزب العدالة والتنمية من حركة "الخدمة" والأستاذ محمد فتح الله كولن، فسوف نرى تجسيدًا تامًّا لهذا التعريف للفتنة، فقد كان حزب العدالة والتنمية وحكومته يرون حركة الخدمة حركةً وطنيةً ملتزمة، وكانوا يدعمون مشروعاتها، في حين كانوا ينظرون إلى الأستاذ كولن نظرتهم إلى العالِم والمفكِّر والمنظِّر الإسلامي الزاهد. وكان رئيس الحزب والحكومة رجب طيب أردوغان يُثنِي على أعمال الخدمة في كل موقف وكل موقع، ولا ننسى حضوره "أوليمبياد اللغة التركية" وثناءه البالغ عليه، ولا ننسى مديحه الذي كان مستمرًّا لـ"توسكون" (اتحاد رجال الأعمال والصناعيين الأتراك، وهو تيَّار تابع لحركة "الخدمة") الذي يدعم ويقوِّي الاقتصاد التركي…

كل هذا، وكثير غيره، كان حزب العدالة والتنمية، وحكومة العدالة والتنمية، ورئيسهما رجب طيب أردوغان، يرونه من الأعمدة القوية لبنيان الدولة… وفجأة بعد بدء تحقيقات الفساد في السابع عشر من ديسمبر الماضي، وتصاعُد نبرة "الدولة الموازية" على لسان الحزب والحكومة ورئيسهما، فجأة أصبح كل هذا الذي كانوا يمتدحونه ويعظِّمونه "إفسادًا في الأرض" وأصبح هؤلاء الناس "حشَّاشين"، وأصبح الأستاذُ العالِمُ "نبيًّا كاذبًا"، وأصبح رجال الأعمال المخلصون "داعمين للدولة الموازية"... فجأة رأى حزب العدالة والتنمية وحكومة العدالة والتنمية ورئيسهما خطأً ما كانوا يرونه صوابًا، رأوا فسادًا ما كانوا يرونه صلاحًا، رأوا إفسادًا ما كانوا يرونه إصلاحًا… رأوا حرامًا ما كانوا يرونه حلالاً.

كذلك كان خطابهم الديني يهاجم المُفسِدين والمُرتَشين واللصوص، وفجأة بعد ظهور فضائح الفساد بعد السابع عشر من ديسمبر أصبحت الرشوة "أمرًا عاديًّا"، والسرقة وغسل الأموال "أمورًا تحدث"، ولم يعُد رشوةً ولا سرقةً إلا "ما كان مأخوذًا من خزائن الدولة" لا من جيوب المواطنين… فجأة أصبح الخطأ صوابًا، والفساد صلاحًا، والإفساد إصلاحًا، وأصبح لكُلِّ هذا قانونٌ يُدِيره… أصبحوا يرون حلالاً ما كانوا يرونه حرامًا.

إن حزب العدالة والتنمية، وحكومة العدالة والتنمية، وأنصارهما، غارقون في الفتنة حتى رؤوسهم، ولا تقف المصيبة عند هذا الحد، بل تتجاوزه إلى محاولاتهم الدائمة والمستميتة لنشر ما يقولونه، ولطمس الحقائق، ولدفع الناس -إراديًّا ولا إراديًّا- إلى ترديد ما يريدونه هم، وما يرونه هم، وما يرسمونه هم، مسخِّرين في هذا وسائل إعلامهم التي لا تنفد كذباتها وافتراءاتها في كل وقت وفي كل شيء. لقد تجاوز الأمرُ السقوط في بئر الفتنة، إلى السقوط في بئر أخرى أكثر عمقًا وسوادًا وخطورة، هي بئر نشر الفتنة والترويج لها، ومنع الحَقّ وقطع ألسنته وإغلاق قنواته، وتشويهه وإظهاره في صورة الباطل… وهي بئر -لو تعلمون- ما لها مِن قرار.
CİHAN
Son Guncelleme: Thursday 29th May 2014 07:00
  • Ziyaret: 3768
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0