"ولا تنابزوا بالألقاب" هل هذا حقا هو أردوغان الذي كُنا نعرفه؟!

Tuesday 8th April 2014 12:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب عبد الرزاق بنمومن

هذا المقال من حيث الشكل إعادة قراءة ثانية في الشأن التركي، الذي أُثير حوله لغو كثير في ساحات وسائل الإعلام العربي والغربي. غير أن هذا المقال هو في آن حصيلة مسلسل من القراءات، وخلاصة تأملات وتأويلات بدأ التفكير فيها بداية الشرارة الأولى لما اصطلح عليه بثورات الربيع العربي، الذي تفاقمت الشكوك الحائمة حولها، وبات من الصعب إمكان الإحاطة بموضوع بالغ التعقيد والتركيب والإتساع.

إن مما يستدعي القول الجازم هو أن الكتابة في موضوع تداعت عليه علامات استفهام غامضة، هو ضرب من المغامرة في أرض من الوحل الإيديولوجي غير النظيف، ويكشف عن صعوبة استهداف منهجية رصينة في الكتابة النقدية، التي تتوخى الصدق والاستبصار، وتحفز على الموضوعية، التي تعتبر الجهاز المفهومي الضروري لأي قراءة تجريبية نسبية متحررة من كل ابتسار ومن كل مفهوم شائع.

وحال افتراض فهم حقيقة ما يجري بالقرب من الحدث التركي وتداعياته على مجمل حراك ثورات الربيع العربي يدفع إلى شيء جامع لدى كثير من النقاد والبحّاثين في حقيقة ما يجري، أو بالأحرى القرب من عقلانية حيوية تجمع أحيانا بين مواقف نظرية متباعدة وأخرى مفارقة. وما نطمح إليه في هذا المقال لن يتحقق ضمن رؤية توفيقية سطحية، أو في إطار من الفلكات اللغوية المائعة، والرؤى التقليدية الأحادية التي تتحكم في مصير مناهج البحث والتفكير وخرائط طرق الفهم عفى عنها الزمن المعاصر.

إن من أولويات الأهداف التي يقصدها هذا المقال هو ذاك الطموح الإبستيمولوجي المغامر والجريء الذي يسعى إلى خلق ممرات جديدة في خرائط الفهم، والبحث المتعدد الأبعاد القادر على الانسجام وذي القدرة المنهجية في احتواء التعارض الكارثي بين الثابت والمتحول، بين الإسلامي والعلماني، وبين الرأي والرأي الآخر. وبذلك نستطيع القطع مع الثنائيات التي استهلكت الكثير من الفرص، والطاقات الخيرة من رجال الفكر والعلم، التي استنفدتها الصراعات السجالية الكارثية، والتي ما زالت مع الأسف قائمة على عروشها الإيديولوجية في زمن ثورات الربيع العربي والراهن التركي. زمن نعتقد أنه جاء لتأكيد ضحد وتكذيب كثير من مشاريع قوى التغيير والإصلاح والحداثة، التي يتشدق بها كثير من التيارات الإسلامية واللبرالية العلمانية سواء في الوطن العربي أو التركي، كل من مواقعه الرسمية، وقواعده الشعبية والمأسساتية.

فسواء تعلق الأمر بالتشكيك في ثورات الربيع العربي، والراهن التركي، أو في مصداقية قدرة الشعوب على الحراك السلمي والحس السليم، وازدراء ملَكاتها المتعددة، أو التشهير بجسدها المشترك، على أصالة تفردها البريء، ومدى قدرتها العجائبية للتغيير والإبداع الحركي، الذي أدهش القائمين على مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية، فهذه الثورات ما زالت تسطع بالحيوية والروح الجميل اللامتناهي. بل أذهب إلى حد القول بأن مستقبلهم لم يعد يتحكم فيه إلا الدجالون من أشباه قادة زائفون، ومثقفون متحذلقون، وسارقو الحرية، التي جعلها الله عز وجل في روح الإنسان، حتى يستطيع أن يكون خليفته في الأرض.

إن ما يحدث في الراهن التركي من اهتزاز وميل صارخ عن مسار المجتمعات الديمقراطية الحرة، هو نتيجة فرادة سبَبِيّة، لا قواعد سبَبِيّة أملتها التوافقات التزامنية، مع ثوارت الربيع العربي، والتي لا زالت في طور التشكل، إلا أن أهميتها في تنام متزايد، مع اختلاف في الأساليب والأدوات، التي تمليها الظرفية الراهنة، ومدى قدرة الفاعلين الحقيقيين على تجاوز اختلافات وجهات النظر في إدارة الأزمات المستحدثة وغير المتوقعة، والتي تحمل في رحمها القابلية لولادة جديدة وطبيعية، تزيح روح الضغينة والشقاق والتنابز بالألقاب، التي أصابت طائفة غير قليلة من الإخوة الصلحاء، والذين كانوا بمثابة منارات يقتدى بهم في ساحة العمل الإسلامي والتدافع الحضاري. إننا نأمل من الله عز وجل أن نرى إخوتنا الأتراك في تعاون على الرفض ونفي خيار النقد غير المسؤول، وتصدير الوصفات الجاهزة بسوء الطوية، وإملاء وصفات الصالح والطالح، والإفتاء في الخير والشر والحسم الصحيح والخاطئ. إنني أرجو الله تعالى أن يرفع عنكم أثر هذا الوباء الذي أخذ حظه منكم، وأدى إلى هذه القطيعة بين حزب العدالة والتنمية، الذي يمثل سلطة القول والفعل، وبين الإخوة في حركة "الخدمة" ممثلي الاقتدار في المجتمع المدني، والنقد الذي يرتكز على التعاقد الاجتماعي والتفكير الإستراتيجي الذي يُترجمه.

إن كل ما يبدو طارئا أو جديدا من الأحداث المتزامنة والمتوافقة على الساحتين العربية والتركية، هو متجذر غاية التجذر في بنية اللاوعي الجمعي، والقدر الوجودي، الذي يجمع بين الأمتين العربية والتركية تحت قانون الجذب ذي المرجعية الإسلامية والتاريخ المشترك، المُحملان بالتنوع الوافر والتغاير اللامتناهي.

واستدراكا مني بأن هذا المقال قد يُظهر بعض التَّفَيقُه، فذلك لأنه لا يرمي لأن يكون تفيقها مائعا، بل يرمي إلى التدليل على توجهات مبحثية جديدة، وهي توجهات غالبا ما تجاهلها من خاض في الكتابة عن الشأن التركي وتداعياته على الراهن العربي. وهي تبدو أساسية في نظري. هناك استحالة فصل ما يجري في الشأن التركي عن الراهن العربي من تماس جدلي تسبح فيه حيتان كبيرة، لم تعد تكفيها السباحة في أعماق بحار المجهول، ولم يعد يخيفها كل ما هو جديد وغريب، في عالم لم يعد قادرا على إخفاء أساطير زائفة. عالم أصبحت تتساقط فيه كل مظاهر الزينة العقيمة التي تكسو بعض القرارت المتسرعة، أمام هذه الاحتجاجات المتصاعدة، التي تطالب بحقوقها المغتصبة وحقها في التفكير الحر القائم على مرجعياتها التاريخية، والدينية، والإنسانية.

إننا من هنا نقول نعم لسقوط إيديولوجيات الحكم السلطوي المستبد، المنتظم على أساس الفرق العسكرية، والأسر والعشائر والمشيخات الدينية الباهرة، والتحالفات الإقطاعية.

إن حساسية فكرة التلاقي أو التقاطع بين ما يجري الآن في تركيا والدول العربية مرشحة فعليا لأن تكون طريقا ملائما لرأب الصدع بين المنظورات المتعارضة، وتزداد شدة الحاجة إلى دفعة قوية عندما يتعب القادة ورجالات الفكر من شتى الإقصاءات، وما يتمخض عنها من تأويلات شاذة، وقراءات مريبة. ولن يتأتى لنا ذلك إلا عندما نرتبط ارتباطا وثيقا بمتطلبات الحاضر ومقتضيات التواصل الإبستيمولوجي، الذي لم يعد يراهن على اليقينيات السائدة، والزعمات التاريخية، التي كبّدت شعوبها ويلات الصراعات الوهمية والخسائر الكارثية التي لا تقدر بثمن.
CİHAN
Son Guncelleme: Tuesday 8th April 2014 12:00
  • Ziyaret: 5280
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0