دعوة إلى التفكير.. ما ذنب "الخدمة"؟

Tuesday 7th January 2014 04:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب الصحفي التركي عبد الحميد بيليجي، جريدة زمان

يمكن "للخدمة" أن ترتكب بعض الأخطاء، كما يمكن لأي فئة مجتمعية أن ترتكب أخطاء، ولكن في حال كان هنالك نقدًا بنّاء، ربما تتحول تلك الأخطاء إلى اتجاه سليم يحُتذى به. لكن في حال كان الهدف "ضرب الناطور بدلا من قطف العنب" حينها تتحرك غريزة الدفاع عن النفس بدلا من الهدوء والاستماع.

إني أتذكر مثالا مُلفتًا حيال النقد البناء وفائدته في حال تم أخذ ذلك النقد على محمل الجد. قبل ثلاث سنوات قام السيد رئيس الجمهورية عبد الله جول بزيارة إلى المدارس التركية في كل من الكاميرون والكونغو، وكان برفقته وفد صحفي، وكانت الصحفية "إيجه تمل كوران" من ضمن ذلك الوفد، وقامت هذه الصحفية بالتعبير عن مشهدٍ أزعجها أثناء زيارة رئيس الجمهورية للمدرسة التركية وكتبت مقالا بعنوان "استرح، واستعد أيها الشاب الإفريقي!"

لقد جرت الحادثة في المدرسة التركية في الكونغو أثناء زيارة الرئيس عبد الله جول إلى المدرسة التركية هناك، حيث قامت طفلتان يناهز أعمارهما ست سنوات بترديد النشيد الوطني التركي المؤلف من عشر مقاطع بالكامل وعن ظهر قلب. والملفت للنظر أنهن بدأن الترديد بالإيعازات العسكرية المعروفة بـ"استرح واستعد". وأثناء الحوارات التي كانت تُجرى مع الرئيس في هذه المناسبة قامت الصحفية "تمل كوران" بإبداء أسفها وانزعاجها من هذا المشهد للرئيس.

في اليوم التالي، كانت المحطة الثانية للرئيس مدرسة تركية أُخرى في الكاميرون، وأثناء حفل الاستقبال لاحظت الصحفية "تمل كوران" بأن الحفل " أصبح أكثر تحضرا"، حيث كان الأطفال بوضع مريح -أكثر مما كان عليه الحال في الكونغو- وكانوا يرددون أغنية "جيسي باغلاري"، وكذلك قاموا بترديد مقطعين فقط من النشيد الوطني التركي. أثناء عودة الرئيس عبد الله جول إلى تركيا، تم طرح سؤال له في الطائرة، ومضمون هذا السؤال كان كالتالي: "ألم تكن الاحتفالية الاستقبالية في الكاميرون أكثر تحضرا مما كان عليه الحال في الكونغو؟" وكانت إجابة الرئيس لهذا السؤال كالتالي: "اتصلت بهم هاتفيا وطلبت إليهم ألا يكرروا ذلك، لأننا لا نفضل هذه التصرفات، وبأنه عليهم عدم تشجيع الأطفال للقيام بهذه التصرفات مرة أخرى". نستنتج من هذه الحادثة، بأن النقد البناء عبر مقال صغير ومكالمة هاتفية قصيرة وصادقة من قبل الرئيس قد حولت السلبيات إلى إيجابيات في لحظة وجيزة.

عند القيام بتوجيه انتقاد ضد "الخدمة"، التي ديدنها تنظيم مؤتمرات واجتماعات موسعة لتبادل الآراء والإلمام بمشورة العقلاء من الناس والاستماع للنقد البناء والاستجابة الفورية لها، يجب الانتباه إلى أسلوب النقد بحيث يكون مقرونا بشيء من الاحترام والتعاطف. فنحن ليس لدينا ما نقوله لهؤلاء الذين لا يتوقفون عن التحقير والافتراء من أجل تشويه سمعة حركة الخدمة. لكننا نخاطب من ينتقدوننا بشيء من المعقولية والموضوعية، ونطلب إليهم أن يضعوا أنفسهم في مكان هؤلاء الناس الطيبين الذين يتم إلصاق التهم بهم وتحميلهم مسؤولية ما يجري في البلاد، والذين لا يخرج اسمهم من قائمة المهددين من قبل الدولة والذين دائما ما يكونون عرضة للمتابعة والمراقبة الأمنية.

فمثلا نطالب كل من يريد منّا أن نكون شفافين بأن يقوم بقراءة دقيقة ومتبصرة للقرار الذي ينص على "التدابير التي يجب اتخاذها ضد فعاليات مجموعة كولن" والصادر بحق "الخدمة" من قبل مجلس الأمن القومي التركي الذي يتم من خلاله اتخاذ القرارات المصيرية؛ حيث إنه تم اتخاذ 15 قرارا تتعلق بتصفية الفعاليات والأنشطة التي تعود للخدمة بتاريخ 25 أغسطس من عام 2004. وتم تكليف هيئة المتابعة والتنسيق المرتبطة برئاسة الوزراء مباشرة، ووزارة الداخلية، ووزارة الخارجية والاستخبارات بتنفيذ ومتابعة هذه القرارات. كما تم الطلب إليهم بإعداد خطة تنفيذية وصياغة مشاريع قرار قانونية ليتم من خلاله فرض عقوبات ثقيلة تحول دون قيام الخدمة بفعالياتها. وبالتالي تم وضع المدارس المؤسسة من قبل محبي كولن تحت رقابة وزارة الداخلية ووزارة التربية والتعليم وكُلّفت تلك الجهات أيضا برفع تقارير حول المدارس العائدة للخدمة إلى هيئة المتابعة والتنسيق المرتبطة برئاسة الوزراء. وفي نفس الإطار اتخذ قرار بإعاقة فعاليات السكن الطلابي أيضا، كما تم إقرار مراقبة ومتابعة رجال الأعمال الذين يتبرعون لمشاريع الخدمة من قبل هيئة التحقيق بالجرائم المالية (MASAK).

مما لاشك فيه، بأن الحكومة كانت مرغمة على التوقيع على هذا النوع من القرارات في مجلس الأمن القومي الذي كان برئاسة رئيس الجمهورية الأسبق نجدت سيزار، لأسباب تتعلق بالحملة القوية التي كانت تستهدف إسقاط حكومة أردوغان وإغلاق حزبه في تلك المرحلة. لكن الأمر الذي يستوقفنا ويدعونا للتفكير فيه بجدية، هو ظهور الوثائق الأخيرة التي تعود لعام 2005 وعام 2006 وحتى عام 2013 والتي تم نشرها في جريدة "طرف".

هذه الوثائق تشير إلى أنه حتى في تلك الأعوام لم يتم إيقاف تنفيذ القرارات المتخذة تحت الضغط في عام 2004. وبالإضافة إلى تلك الوثائق، هنالك ما يدعونا للتفكير بجدية أكثر، وهو ظهور وثيقة في عام 2009 تحمل توقيع "دورسون تشيشك" وينص فيها على حرب نفسية تُشنّ ضد حركة الخدمة بحيث تُذكرنا بمحاولات وخطط "الدولة العميقة" لإبادة "الخدمة" في الأيام السابقة. كما أنه لا يمكن تفسير التجسس على البيروقراطيين الكبار والادعاء "بأنهم أرسلوا الأضاحي إلى منغوليا" و"أنهم شاركوا بمؤتمر أقامه أحمد ألتان" و"بأنهم حضروا حفل التخرج في المدرسة التركية الموجودة في تركمنستان" بالرغم من وجود قرار يصف تلك التصرفات التجسسية بالجريمة الدستورية إبان استفتاءات 12 أيلول. وأقر بتلك الجريمة السيد حسين تشيليك حين وصفها "بالدنيئة" مشيرا إلى وقوف الاستخبارات خلفها.

أما الآن، فهنالك ما يُثار عن وجود قائمة مقدمة إلى رئيس الوزراء تحتوي أسماء ما يقارب ألفي شخص من الوسط الإعلامي ومن وسط رجال الأعمال. ومما لاشك فيه، فإنّ تعرض العديد من الناس للظلم والاستبعاد دون المحاكمة من عدة مؤسسات مثل جهاز الأمن والتربية والتعليم وهيئة الإذاعة والتلفزيون التركية في ليلة واحدة، ما هي إلا دليل واضح بأن خطة الحرب النفسية هذه تم الإعداد لها مسبقا.

ما دام يُطلب إلينا أن نكون أكثر تفهمًا وأكثر تعاطفًا حيال ما ورد في وثائق مجلس الأمن القومي لعام 2004، إذن، ندعوكم لقراءة تلك الوثائق بعد وضع اسم الجماعة أو الكتلة التي تنتمون إليها مثل العلويين، الأرمن، جماعة إسماعيل آغا، جماعة سليمان أفندي أو منتسبي حزب العدالة والتنمية في كل مكان ورد فيه اسم الأستاذ فتح الله كولن، لنرى عندئذ هل يمكنكم التصرف بتلك الدماثة التي تدعوننا إليها؟

ما دامت هذه هي حقيقة تركيا في عام 2014، أي ما دام هنالك أناس يتم اعتبارهم مجرمين دون ثبوت أي أدلة تدينهم، وما دام هنالك أناس يتم التجسس عليهم ومراقبتهم وكأنهم مجرمون، وما دام هنالك أناس يتم وصفهم إرهابيين من قبل رئيس الوزراء، بمجرد تعاطفهم مع تيار الخدمة الذي لا يجرّمه أي قانون، وما دام يتم الحديث عن المؤسسات الخدمية والإشارة إليها بعبارة سكّان "الجحور" (على حد تعبير أردوغان) فعن أيّ نوع من الشفافية سنتحدث؟ وبأيّ وجه سنقوم بوصف تركيا بأنها دولة يسودها القانون والديمقراطية؟
CİHAN
Son Guncelleme: Tuesday 7th January 2014 04:00
  • Ziyaret: 4216
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0