انتظار تحقيق طموحات الديمقراطية من العقلية المؤامراتية!

Saturday 4th January 2014 02:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب الصحفي التركي إحسان داغي، جريدة زمان

لنتأمل معًا ونتساءل: أتنتُج من خطابات تتغذى على نظريات المؤامرة وشعارات الخيانة والعداوة الديمقراطيةُ أم السلطوية؟ أتتولد منها الشرعية أم الظلم؟ أيكون نتاجها الحريات أم شتى أنواع القمع؟ من كان لديه همّ واهتمام بقضايا الديمقراطية ودولة القانون والحريات فمن الطبيعي أن يساوره قلق ومخاوف وفقاً لهذه الاعتبارات.

وبرأيي الشخصي؛ فإن مصدر القلق ليس تفرّد حزب العدالة والتنمية في السلطة، وليس تلك الادعاءات المتعلقة بقضايا الفساد والرشوة؛ وإنما هو ولادة وبزوغ دولة لا تعرف القانون ولا الرقابة ولا الحدود. وليس خافياً على الملم بالأحداث والقضايا أن الطريقة المعهودة لشرعنة دولة على هذه الشاكلة هي حياكة نظريات المؤامرة، وخطابات تلقي اللوم على القوى الخارجية لتتهرب من المسؤولية، وتختلقُ أعداء داخليين وخارجيين لتوظفهم في خلق حالة من الخوف والفزع. وكلنا يعرف جيداً كيف تمت التغطية والتستر على عديد من الممارسات غير القانونية في الماضي "تحت حجج وذرائع أمنية" هي أوهن من بيت العنكبوت.

فالأسلوب الأمني الذي تم انتهاجه إزاء التطورات الأخيرة في تركيا؛ خصوصًا عقب اعتماده كمنهج لفضّ مظاهرات واحتجاجات حديقة "جزي بارك"؛ بدأ يتحول بوتيرة متسارعة إلى "الدولة الأمنية". وما أدراك ما الدولة الأمنية؟ حيث لا يستطيع أحد أن يشتمّ رائحة الديمقراطية أو يرى أثرًا للقانون أو يهنأ بالحريات. فإذا كانت العقلية التي تتحكّم فى مقاليد الأمور هي نظريات المؤامرة بدلاً من التحليلات العقلانية الموضوعية.. وإذا كانت المراكز الخارجية وتحالفاتها الداخلية هي المسؤولة عن كل ما يحدث في البلاد.. وإذا كان الناس يُجبرون على الوقوف إما "في طرفنا" وإما في "الطرف المقابل".. فحينها كبّر على الديمقراطية ثلاثاً؛ فإنها لن تنبت على هذه الأرضية.

إن العقلية المؤامراتية لن تؤدي بنا إلا إلى شفا جرف هار من نظام استبدادي صارم. ويعلم الجميع كيف أن اللجوء إلى خطابات "المراكز الخارجية" جعلت من تركيا دولة استبدادية من الطراز الأول فيما سبق، وكيف أضفت الشرعيةَ على السلطوية، وأي دور لعبته في إخراس الألسنة المعارضة لأهواء الاستبداديين.

إن اللغة "المؤامراتية" هي التي تمهد الطريق أمام التحكم بفقرات المجتمع، وسحق المعارضة ونزع صفة الشرعية عنها، ومن ثم تهيئة الأجواء لارتكاب جرائم. إذا لم تكن لديكم عناصر تساعدكم على فهم وتفسير ما يحدث سوى اللجوء إلى المكائد والتآمر والفخاخ فمعنى ذلك أن إمكانية ممارسة السياسة العادية والطبيعية قد انتفت في جزء على الأقل من أجزاء دماغكم. إذ إن من يرى السياسة وكأنها "حالة حرب" فلا يعود القانون بالنسبة له إلا شيئاً ثانوياً يمكن الاستغناء عنه بأي حال وفي أي لحظة. ألا تخرج الدولة التي يحكمها هذا النوع من العقلية من الروتين (القانون)؟ صرنا نشاهد في الآونة الأخيرة أناساً من حولنا يتحدثون عن "حرب استقلال جديدة"، ويهتفون "إما الاستقلال أو الموت"، ويلبسون الأكفان، ويدافعون عن أعضاء تنظيم القاعدة في سوريا، وعمليات القتل وسط سيارات مفخخة، وينهالون بالمدح والثناء على الدولة الخارجة من إطار القانون (الروتين).

ولا بد أن يعرف أصحاب العقول السليمة من داخل حزب العدالة والتنمية، وكذا رجال الأعمال من القطاعات المحافظة، الذين وقفوا إلى جانب العدالة والتنمية (أي أردوغان) في مقابل زعيم حزب الرفاه الإسلامي الراحل "نجم الدين أربكان"، باعتباره الخيار العقلاني في ذلك الوقت، وكذلك ممثلو المجتمع المدني.. لا بد أن يعرفوا أي نوع من الدولة ستخلقه هذه العقلية المؤامراتية؛ العقلية التي تتهم الجميع بالخيانة والعداوة، وتتأهب للشروع في تنفيذ عملية مماثلة لـ"مطاردة الساحرات" في القارة الأوروبية أوائل العصر الحديث. وأعتقد أن شريحة كبيرة من شعبنا، خاصة رفقاءنا المنتمين إلى حركة "المدنيين الشباب"، الذين يستهزؤون بمقولة "القوى الخارجية"، بالإضافة إلى الأكاديميين والكتاب والصحفيين الذين يحاولون تحليلَ سخرية هذه المقولة وتفاهتها، وتسليطَ الأضواء على وظيفتها ونتيجتها السياسيتين، في المجالس والندوات العلمية التي تقيمها تلك الحركة، يدركون جيداً أن العقلية المؤامراتية الإقصائية المنطوية على ذاتها، سواء أكان صاحبها كمالياً قومياً أو منتمياً إلى حزب العدالة والتنمية، تدمّر الديمقراطية والتعددية والعدالة والحرية في نهاية المطاف.

بالله عليكم انظروا الأجواء العسكرية التي تخلقها الدولة عبر وسائل الإعلام التي تنشرها بدورها في كافة طبقات المجتمع المختلفة! ألا تلاحظون حجم الشدة التي ستتولد عن شعارات العداوة وعملية المطاردة التي ستنطلق قريباً؟

إن انتظار تحقيق طموحات الديمقراطية من قبل سلطةٍ سلّمت زمام أمورها لمثل هذه العقلية ليس إلا مجرد أضغاث أحلام ودليل على سذاجة العقل، حيث إن هناك نوعين من الناس بالنسبة للعقلية المؤامراتية؛ إما عدو وإما عدو محتمل. وبما أن صاحب هذه العقلية وقع أسيراً لهاجس العدو، يرى أصدقاء اليوم أعداء محتملين مستقبلاً وقد تبدر منهم إساءة في أي لحظة. ولذلك يسارع إلى وصْم "من أشار إلى أخطائه" من "الأصدقاء" بارتكاب "الخيانة" وينهال عليهم باللعنات.

وفي الختام؛ إن أي سلطة أخذت تتعوّد على "الإدارة دون الاعتماد على القانون"، بل بدأت ترى في نظريات المؤامرة قانوناً للبلاد، فإن المجتمع سيواجه حتماً الكثير من المتعاب والمشاكل؛ ذلك لأن الحكم بغير قانون يكون سهلاً بالنسبة لكل سلطة، فإذا جرّبت هذا الأمر مرة ونجحت فيه، فإنها لن تجد مانعًا من تكراره ثانية وثالثة، كما أنها لا ترى ما يستدعيها للانضواء تحت عباءة القانون والخضوع لرقابته. وما مثلها إلا كمثل الجنّي في مصباح علاء الدين السحري، فإذا خرج من المصباح أنّى لك أن تعيده إليه ثانية. وقد تنجح نظريات المؤامرة والأساليب غير القانوينة في الإدارة والحكم وآلة الدعاية في الوصول إلى هدفها ومبتغاها على المدى القريب، وقد تكسب أصوات الناخبين كذلك، لكنها ستدفن معها الديمقراطية ولن تعبأ بالحقوق ولن تأبه للشرعية، ولن تحفظ وتصون الحريات، اللهم إلا حرية واحدة وهي مدح تلك السلطة الحاكمة!
CİHAN
Son Guncelleme: Saturday 4th January 2014 02:00
  • Ziyaret: 4554
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0