بعد الربيع العربي.. هل ستدشّن الأزمة التركية نظاما عالميا أفضل؟ - 2

Friday 11th April 2014 10:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- الديمقراطية التركية تُختبر. ليس لأن هناك ضغطا غير مدروس على بعض المنابر الإعلامية، أو لأن هناك تضييقا على بعض الحريات. الاختبار يكمن في تقاطبٍ ظاهره حادّ وباطنه من قِبَلِه تجاذب بين مصلحتين. مصلحة سياسية/فؤية وأخرى مدنية/مجتمعية. قد يبدو الأمر، كما في الإعلام، على أن هناك محاولة لإيقاف مسار نموذج ديمقراطي طالما شُيّد به، يقوده حزب لا يعرف الكثير من غير الأتراك فيه إلا السيد رجب طيب أردوغان. لكن الدوافع النواة المولّدة للنزاع ليست، في الحقيقة، معروفة لحد الآن.

إن أغلب التحركات التي تقوم بها الحكومة من أجل خلق شعور بالقلق شعبيٍ وعامٍ حول مزاعم الهجوم الانقلابي الذي تتعرض له تركيا، لا يَنُم إلا عن قصور في نضج رؤية مُنظِّري السياسات داخلها. قد يلتفت المهتم إلى بعض المؤشرات التي تدفع إلى الاعتقاد بأن الجذب السياسي الراهن سيُسفر عن تحول كبير تعقبه أجواء متوّترة نوعا ما. لكن المَخرج من الأزمة لن يتأتى فهمه إلا بمقاربة تاريخية وجيوستراتيجية. فخريطة تركيا السياسية تتجاذبها قوى داخلية وأخرى خارجية. هناك التيارات الإسلامية والعلمانية الليبرالية، ثم الكماليون والعلويون، فالقوميون.كلهم أقطاب مؤثرة داخليا. أما على مستوى دول الجوار فلا أثرَ أكبر من أثر إيران ثم حزب العمال الكردستاني. كل هذه الأطراف السياسية والإيديولوجية تشكّل حاليا المشهد النزاعي الراهن، وكل من يريد اختزال الصراع في أردوغان ووَهم الدولة الموازية فهو مُستخَفٌّ به.

المؤسف في كل هذا هو الرأي العام المحلي والدولي. لا أدري لماذا هذا التسرع في الحكم على الأشياء دون تبيّن؟ أليس النبأ المتهور والمتسرع يعمل في عقل الإنسان وروحه ما تعمله الوجبة السريعة في جسمه؟ للمجتمع المفتوح شروط. ليس أولها إلا نشر ثقافة التبيّن. فأفراد المجتمعات المفتوحة تحترم عقولها وذواتها، ولا تصدق كل ما يُدّعى إلا بعد تقليب ودليل. والإعلام فيها يلعب دور المُشكِّل للوعي الجمعي ولثقافة الانفتاح والتعايش. قد نظن هنا أننا أمام أفكار سلَامية (pacifist) وأننا مثاليون، خصوصا والحال هكذا في منطقة الشرق الأوسط. لكن هناك فرق بين المثالية والتّطلع. هناك جملة من الخوارق لا يستطيع العقل البشري فهمها، يسميها كارل بوبر باللاّمفهوم (the inexplicable) وفيها يقول علماء الأعصاب السلوكي (behavioral neuroscience) أن دراستها تتطلب وقتا وبحثا متعدد المناحي. لكنها في الأخير تبقى جزءاً من الحقيقة اللامُدركة.

يصعب على من تنشّأ في بيئة مُقلقلة، وفي سياق سُلطوي أن يتصور إنجازاتٍ كبيرة في شكل مؤسسات عملاقة، لا تصدر عن الحكومة أو الدولة، بل يطلقها أناس ينتمون إلى المجتمع المدني. فالمجتمع المدني بالنسبة له مجرد جمعيات ومراكز هزيلة تحاول إنقاذ نفسها قبل الآخرين.

لقد دأبنا على أن نزعم أن كل من يستطيع إنجاز مشاريع ضخمة فقصده تشوبه شائبة. وأن كل من يشتغل خارج سياق الحكومة لا القانون فهو مُغرض. في هذا التخيّل يختلط الثقافي بالمَأمول. فالثقافي هو مجمل الشرط الاجتماعي الذي يتحكم في فهمنا للواقع، أما المأمول فهو ما تنشده روح أي إنسان سويّ في فطرتها من حب للسلام والعدل والحرية. لا أدري لماذا لا نتعقل في قراءة شعارات الثورات: كرامة، حرية، عدالة اجتماعية. هناك طرف كبير في المجتمع المدني التركي ممتد دوليا يقوم بأعمال تستجيب لمتطلبات الأفراد والشعوب. سيتعرّف عليه كل الناس إلا من أبى.

الصراع في تركيا إذن في كواليسه بين فئة ومجتمع. لكن التّمثيلية تبقى غير واضحة، وهذا ما يصنع لغز الصراع. فممثل الفئة في عقول الناس هو مُمثل المجتمع، وممثل المجتمع يصبح مُمثل الفئة. أليس هذا هو اللبس الذي تحدث عنه القرآن الكريم. ألا يصدر هذا اللبس إلا عن فئة، يعرفها قارئ الكتاب الذي لا ريب فيه؟ لقد حان وقت إعادة قراءة بعض الآيات في ضوء ما يقع من آفات. (قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا مثنى وفرادى ثم تتفكروا) (سبأ، 46).
CİHAN
Son Guncelleme: Friday 11th April 2014 10:00
  • Ziyaret: 3964
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0