بانوراما ما بعد الانتخابات

Friday 4th April 2014 08:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- دوغو إرجيل، جريدة تودايس زمان، 1 أبريل 2014

لن أناقش نسبة الأصوات التي حصل عليها الأحزاب السياسية أو عدد البلديات التي فازوا بها. بدلاً من ذلك، أريد أن أطلعكم على بعض الاستنتاجات من العملية الانتخابية.

1)    كان من المتوقَّع أن يخسر حزب العدالة والتنمية جزءًا كبيرًا من شعبيته بسبب التسجيلات الصوتية التي نُشرت عن مزاعم الكسب غير المشروع والفساد ومخالفات المسؤولين الحكوميين، ومن الواضح أنه حدث بعض الخسائر، غير أنها لم تصل إلى درجة تسميتها "هزيمة". لذلك سببان:

أولاً أن حزب العدالة والتنمية "بَنَى" جمهور ناخبيه حرفيًّا، فستةٌ وثلاثون في المئة هم أنصار الحزب المتشددون الذين يقاومون كل تأثير خارجيّ سلبيّ. يعتقدون أنهم قلب الحزب وأنهم سوف يموتون معه. وبقية مؤيِّدي الحزب من مجموعات أخرى من الناخبين الذين يجدون حزب العدالة والتنمية أكثر دعمًا لهم في ما يتعلق باحتياجاتهم وقيمهم.

ثانيًا التسجيلات التي عُمِّمَت على وسائل الإعلام الاجتماعية لم يقرأها ولم يستمع إليها عمدًا مُعظَم ناخبي حزب العدالة والتنمية، وهم يعتقدون أن ما تُدُووِل هو نتيجة مؤامرةٍ حاكها الأعداء الداخليون والخارجيون. وهذه المقاومة قد تكون راجعة إلى ثقافة أن الولاء للجماعة ولزعيمها مسألة إيمان. أما التضحيات بالعمل والإسهامات النقدية فلا يُشَكَّك فيها لأنها تدخل حيِّز اعتقادهم في الطاعة والتضامُن الطائفي الوَرِع.

إن مُعظَم المواطنين ضحايا نظريات المؤامرة التي سعى السياسيون على مر العصور إليها ملجأً لتغطية أخطائهم وانعدام قدرتهم على تصويبها. قد يكون الأعداء المتآمرون الغامضون أداةً مُؤذِيةً، لكنهم يتحكمون جيدًا. ويعتقد أنصار حزب العدالة والتنمية أن ولاءهم له عملٌ وطنيّ.

2)    ليس في عدد الأصوات بين الأحزاب السياسية تحوُّلٌ كبير، وقد نستطيع تفسير ذلك بطريقةٍ مَجَازِيَّة: لنقُل إن حزب العدالة والتنمية هو سفينة مؤثَّثة بشكل جيِّد، فهو يستمتع بجميع امتيازات كونه حزب الحكومة، ورُكَّابُه يستفيدون من هذا الوضع، وسوف يغادرون السفينة فقط عندما يرون أرضًا أو سفينةً أخرى مجهَّزة تجهيزًا جيدًا مساويًا… لكنهم لن يقفزوا في المحيط ليُمسِكُوا بزورقٍ بُخَارِيٍّ، فلا يمكن للأحزاب القائمة أن تجذبهم بينما سفينة حزب العدالة والتنمية طافية ولا تزال مُبحِرة.

3)    رغم أن هذه الانتخابات كانت محلية أي لاختيار الإدرات المحلية، فقد أصبحت صراعًا وجوديًّا للأحزاب السياسية، ونادرًا ما دار أي نقاش جِدِّي حول الطبيعة المركزية لكل من السياسة والإدارة، لذا فستكون فترة ما بعد الانتخابات استمرارًا لحكومةٍ استبداديةٍ ومركزيةٍ.

لا يبدو غريبًا لكثير من الناس إلى الآن أن مرشَّحِي البلدية وأعضاء المجالس البلدية تعيِّنهم مراكز الحزب والقيادة من أنقرة، وبالنظر إلى أن هياكل الحزب أبعد ما تكون عن الديمقراطية وأن الحكومة المركزية غير راغبة في تقاسُم سلطتها مع السلطات المحلية، فكيف ستتمركز الديمقراطية؟

4)    ستعلو "المسألة الكردية" إلى مستوًى جديد من الأَهَمِّيَّة مع انتصارات حزب السلام والديمقراطية في البلديات الجديدة في شرقِيّ تركيا، وسيؤدي عدم القدرة على توليد صيغ جديدة للتكامُل الديمقراطي عبر الحكومات المحلية على الأرجح إلى تشكيل نظام إداري مزدوج، أحد جزأيه يسير ببطء نحو الحُكْم الذاتي دون موافقة من السُّلْطة المركزية أو الإجماع الشعبي.

وفي غياب العنف، فإن الجهود الكردية نحو الاستقلال الإداري ستجعل من العسير للغاية على الحكومة التركية المركزية أن تعارض هذا الاتجاه بعنف، ولو فعلت فسيدين العالم بأكمله الحكومةَ لقمع الجهود الديمقراطية الكردية. سيُضغَط على تركيا بشِدَّةٍ لمواجهة هذا التحدِّي بكثير من الاستقطاب والصراع الداخلي.

5)    أُجرِيَت هذه الانتخابات في جوٍّ شديد التوتُّر والعداء والاستقطاب، وعلى الرغم من أن جميع الأطراف ادّعت النصرَ نوعًا ما، ففي الحقيقة لا يوجد فائز حقيقي، ومن الصعب جدًّا أن نُطلِق على مثل هذا المجتمع الاستقطابيّ أُمَّةً، فالعملية التي جَرَت بكثير من الأفعال الكريهة خلالها والتي استُخدِمَت فيها وسائلُ غير أخلاقية، يمكننا بصعوبة أن نسمِّيَها "انتخابات". وبدلاً من ذلك، لو كانت حربًا منخفضة القوة، كما يُطلِق عليها بعضُ السياسيين، فقد يمكن العراك فيها بأسلحةٍ أخرى غير البنادق، وإن كانت بقوة تدميرية مساوية.

ومن الأمور التي دُمِّرَت القيمُ والمعايير الأخلاقية. إننا نخلو من الأخلاق العامَّة التي يمكننا أن نتشارك فيها، فالأفراد إذا فقدوا قيمهم الأخلاقية يفقدون إنسانيتهم، ولكن إذا فقدت الأحزاب السياسية والحكومات أخلاقها، فإنها تفقد شرعيتها ومصداقيتها. ونحن نعيش على هذا الصَّدْع.

هل يمكننا بالفعل أن نؤمن أن استعادة الديمقراطية والأخلاق ستَحدُث بعد الانتخابات؟ هل سنتمكن من إعادة بناء الثقة بالسياسة والأحزاب السياسية فقط حين نحتاج إلى أن نثق بالحكومة؟
CİHAN
Son Guncelleme: Friday 4th April 2014 08:00
  • Ziyaret: 3562
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0