إدارة الاختلاف

Wednesday 5th March 2014 08:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب د. أحمد البوكيلي

يُعتبر الصراع القائم اليوم في تركيا بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحركة الأستاذ فتح الله كولن "الخدمة" قضية إشكالية تحتاج إلى وقفة تأملية لنتمكن من فهم طبيعة الصراع ومآلاته، خصوصًا أن هذا الصراع ليس بين تيارات آيديولوجية متناقضة ولا بين مدارس فكرية متضاربة، بل بالعكس، فحزب العدالة والتنمية وحركة "الخدمة" ينتميان إلى المجال الإسلامي على الرغم من اختلاف توجهاتهما، لأنه إذا كان حزب العدالة والتنمية حزبًا سياسيًّا يقود التجربة الحكومية منذ سنوات، إذ حقَّق مجموعة من الشعارات التي وعد بها الشعب التركي سواء على المستوى التنموي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، فإن حركة "الخدمة" تمثِّل نموذجًا رائدًا في المجال التربوي والتعليمي، ليس في تركيا فحسب، وإنما في العالَم بأسره. وهنا بالضبط يُطرَح الإشكال حول حقيقة الأسباب التي فجَّرت الوضع في تركيا، هل يتعلق بطبيعة منطق التسيير السياسي للحزب الإسلامي عندما يكون في موقع السلطة السياسية، أم يتعلق بالخوف النفسي من مستقبَل الصراع السياسي بسبب اتهامات الفساد السياسي لرموز حزبية مسؤولة، أم أن الأمر يرتبط بإشكالية أكبر تتطلب منطق الحكمة والتواصل على أرضية المصلحة العليا للوطن، ونعني بها حدود العلاقة بين منطق الدولة ومنطق الحركة، لأنه إذا كان حزب العدالة والتنمية التركي يفكِّر بمنطق السلطة السياسية من خلال الضبط التنظيمي والاحتواء السياسي والاستقطاب الانتخابي لمجموع الحركات الدينية والتنظيمات الإسلامية لضمان الاستمرارية في السلطة السياسية، فإن حركة "الخدمة" لا تفكِّر إلا من خلال مشروعها التربوي والتعليمي الممتدّ على خريطة التراب التركي.

ولعلّ هذا الإشكال لا يتعلق بالوضع التركي، بل يرتبط بإشكالية تتطلب حوارات بين الفاعلين كافَّةً في المجال الإسلامي، وإلا فإن كل تناقض سياسي بين منطق السلطة السياسية ومنطق العمل الاجتماعي والحركي والتربوي قد تؤدِّي إلى الفشل المجتمعي ككل، وهذا ينعكس على الوضع التركي بمجرَّد ارتفاع الأصوات المندِّدة بالفساد المالي والسياسي لبعض رموز وزراء "العدالة والتنمية" بكونها هي المسؤولة عن إشاعة وترويج هذه الأخبار لتصفية الوجود السياسي للحزب الإسلامي، مِمَّا دفعه إلى الهجوم المباشر على الأستاذ فتح الله كولن بخطابات لا تليق لا بالأخلاق السياسية، ولا بقيم الأُخُوَّة الدينية، إذ طرد من رموز الخدمة الموجودين في المواقع الحسَّاسة للدولة التركية، كلَّ مَن يمكن أن يهدِّد استمرارية التجربة السياسية، سواء داخل السلك الدبلوماسي أو الأجهزة الأمنية.

الغريب في الأمر أن قوة حركة "الخدمة" لا تتجلى في العمل السياسي والحزبي المباشر، بل في مشروع الأستاذ فتح الله كولن الذي راهن لأكثر من نصف القرن على صناعة الأجيال المُشبَعة بمنظومة القيم التي لا تتناقض مع ثقافة الفاعلية والحركية والانفتاح ودعم كل التجارِب السياسية التي تخدم المصلحة التركية العليا.

ومِمَّا سيزيد من تعميق الإشكالية أن أردوغان سيطالب مباشرة حركة "الخدمة" بالالتحاق بالعمل السياسي والحزبي المباشر حتى لا تبقى -كما يقول- "دولة داخل الدولة"، وهو يعلم أن مشروع الأستاذ فتح الله كولن يستحيل أن يتحول إلى حزب سياسي، لأن فلسفته التربوية تقوم على أن أعظم سياسة حقيقية هي صناعة الإنسان وتربيته على قِيَم التديُّن المتحضر التي تربي الفرد على المواطنة الإيجابية والمشاركة الفعالة كما تربِّيه على الإيمان. وهنا أستسمح القراء لأشرح أكثرَ قوةَ حركة "الخدمة" على أرض الواقع من خلال الزيارات الميدانية للمؤسسات التعليمية والتربوية ومن موقع البحث العلمي في التجارب الإسلامية الموجودة في العالَم الإسلامي، فقد لاحظنا أن حركة "الخدمة" ليست جماعة صوفية مُغلَقة، ولا حركة تربوية طائفية، بل حركة اتخذَت مفهوم خدمة المجتمع وخدمة القضايا الإنسانية شعارًا، لذلك فهي حركة مرتبطة بفكرة مفادها التعليم والتربية قبل العمل السياسي المباشر، لذلك فهم رئيس الحكومة أردوغان أن تدمير قوة "الخدمة" إنما يتم عن طريق تحطيم مشروعها التربوي والتعليمي عبر تهديد القائمين عليها بإغلاق بعض المؤسَّسات في محاولة لإلحاقها بالدولة. هنا ظهرت ردود الأفعال القوية لرموز "الخدمة" التي اعتبرت أن الأمر ليس تهديدًا للحركة، بل تهديد لقِيَم التديُّن في المجتمع التركي، ورجوع بالتجربة الديمقراطية إلى تاريخ التسلُّط السياسي والضبط الأمني.

وبغضّ النظر عن كل هذه الخلافات، فمن حق الباحث أن يتساءل عن مستقبل هذا الصراع: ألا يعكس في العمق أزمة معرفية وأخلاقية في الفكر السياسي الإسلامي في مجال تدبير الخلاف، لأن التجربة التركية ككُلٍّ مهدَّدة ومستهدَفة من الخارج باعتبارها أولاً تشكِّل نموذجًا للممارسة الديمقراطية لحزب إسلامي امتلك القدرة على الارتقاء بدولة تركيا إلى مصافّ الدول الديمقراطية القوية في منظومتها السياسية والاقتصادية، مما أهَّل هذا البلد ليقدِّم للعالم نموذجًا لحزب إسلامي داخل بنية الدولة العلمانية، ومن ثَم فإن فشل حزب العدالة والتنمية هو فشل لتركيا على الرغم من كل الأخطاء وعلى رأسها إمكانية تحوُّل التسيير السياسي للدولة إلى حالة من جنون العظمة.

أما حركة "الخدمة"، فعلى الرغم من أن النقاش السياسي صوَّر الحركة كأنها حركة سياسية، فإنها في العمق لن تخسر شيئًا لأنها مرتبطة بمنظومة التربية المغروسة في البِنَى العميقة للمجتمع. مع ذلك يبقى جوهر الإشكال غير متمثِّلٍ في الاصطفاف السياسي مع الحركة أو مع الحزب، ما دام هذا الاختلاف مُعطًى واقعيًّا في خريطة العمل السياسي الإسلامي، وإنما الإشكال هو سبب عدم التفكير في إنشاء مؤسسة عُلْيَا للحكماء تضمُّ جميع التيارات الإسلامية واليسارية والليبرالية لإمكانية إدارة الاختلاف بطريقة متحضرة من جهة، ومن جهة ثانية بطريقة ديمقراطية قائمة على الإيمان بأن أعظم قوة اليوم في العالَم الإسلامي المهدَّد بالمشروع الصهيوني وبسياسات التفكيك الديني، وبإستراتيجية إعادة هيكلة الدول الإسلامية، إنما تتمثل في لغة الحوار الهادئ الذي يحفظ الوحدة الوطنية ويحوِّل نقاط الضعف إلى نقاط للقوة، فما قيمة هذا الصراع إذا كان سينعكس بالخسارة على الوطن؟
CİHAN
Son Guncelleme: Wednesday 5th March 2014 08:00
  • Ziyaret: 3997
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0