هل من الممكن التستر على عمليات الفساد؟

Sunday 26th January 2014 08:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب الصحغي متاز أر ترك أونه، جريدة زمان

الإجابة الحقيقية لهذه المسألة هي التي ستحدد جميع ديناميكيات السياسة، وكذلك التوازن بين الحق والعدالة. فكما تعلمون يتم حاليا سحب ملفات التحقيق من أيدي المدعين العامين، ويتم تغيير أماكن خدمتهم، كما أنه توقّف تنفيذ قرارات المحاكم.

يتم نقل عناصر الشرطة الذين قاموا بمتابعة التحقيق في عمليات الفساد في ليلة وضحاها ليكملوا خدمتهم في محافظات مختلفة وبعيدة، وتبادر الحكومة إلى استنفار قدرات الدولة كافة لعقد تحالفات جديدة مع جهات عديدة في الدولة. وكل ذلك من أجل منع التحقيقات من أن تطال الحكومة بشكل مباشر أو غير مباشر. وبالتالي يتم تعطيل منظومة الحقوق والقانون بالكامل.

والمضحك المبكي أن حكومة أردوغان التي داست القانون تحت أقدامها، ولم تر أي بأس في تصفية آلاف من عناصر الأمن وتشريدهم في قر الشتاء، فقط لأنهم كانوا جزءا فاعلا في ملاحقة قضايا الفساد.. هذه الحكومة تشكو وتهتف بأن تركيا قد تحولت إلى "دولة بوليسية".. يا اللغرابة.

ما الذي سيحدث يا ترى؟

في نهاية المطاف سيقوم المجرمون بالتجول وهم يلوّحون بأيديهم، وسيستمرون بممارسة عملهم في مناصبهم. أما نحن فسنقوم بشرب كأس بارد من الماء لكي نطفىء عطشنا للعدالة. هل يمكن أن يحصل هذا؟

إن الذين يقومون بإجراء مقارنة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، يتجاهلون طريقة وأسلوب عمل السلطة القضائية. فالسؤال هنا، هل يمكن للقضاء أن يُنتج أي نوع من أنواع السياسة؟ هل يمكن للقضاء أن يُقيم نظاما سياسيا معينا؟ هل يمكن للقضاء إيجاد مخارج لأي من الأزمات السياسية؟ فمن الطبيعي أن تكون الإجابة عن هذه الأسئلة جميعها بكلمة "كلا". لأن دور القضاء في الدولة هو القيام بفرملة المجريات الخاطئة من أجل تحقيق التوازن في مسيرة الدولة، والقيام بتقييم فيما إذا كانت السياسات المتبعة من قبل الحكومة، والحلول السياسية والإجراءات المتخذة من قبل السلطة التنفيذية والتي تمس كل أفراد المجتمع صحيحة، وفيما إذا كانت كل تلك السياسات والحلول والإجراءت تم وضعها بصورة لا تخرج عن إطار القوانين المرعية.

وأفضل مثال على كيفية عمل السلطة القضائية، والفرق بينها وبين السلطة التنفيذية يمكن تلخيصها من خلال الفرق بين نظام الدفع والمكابح في السيارات. فكلاهما يعملان ضمن نظامين مستقلين من أجل تأمين التوازن في عملية سير السيارة. وبناءً على ما سبق، يمكننا القول بأن القضاء لا يقوم بقيادة الدولة، بل يتجلى دور القضاء في التدقيق والتحقيق وفرض الحلول العادلة عبر سيف العدالة.

يمكن إكساب الرموز الملموسة شيئا من الحياة عبر المبادئ المجردة، فتمثال الحرية هي الرمز الملموس للعدالة؛ فعيناها مغطاة، وفي إحدى يديها ميزان، بينما في يدها الأخرى سيف، وبالإضافة إلى ذلك فإن تمثال الحرية “أنثى”. فكون عينيها مغطاة تعني أنها لا ترى الأطراف المتنازعة، وعبر الميزان الموجود في إحدى يديها تقوم بفصل صاحب الحق عن صاحب الباطل، بينما عبر السيف الموجود في يدها الأخرى تقوم بتطبيق العدالة. أما كونها أنثى فتدل على أنها تتصرف عبر ما يأمرها القانون ولا تقوم بالارتجال في تطبيق القوانين.”الميزان سيقوم بفصل الحق عن الباطل، وسيف العدالة الحاد سينخفض للإطاحة بالرؤوس لتطبيق العدالة”. والذين يفهمون من كلامي “حصد الرؤوس” يجب عليهم أن يمعنوا النظر في رمز العدالة والقضاء المتمثل في الميزان والسيف.

خلال هذه الفترة ونتيجة للأحداث الجارية تأثر القضاء بشكل سلبي. خلال الفترة الماضية تم إطلاق اسم “المتسلقين” للمدعين، وتم التعامل مع أفراد الشرطة الذين يقومون بالتحقيق في عمليات الفساد وكأنهم “حشرات”، كما تم اتهام كل منسوبي القضاء بـ”العمالة” و”تشكيل عصابة” و”خيانة الوطن”. ومن أجل التغطية على الفساد فقط، تم قلب نظام القضاء رأسًا على عقب، ومن أجل طمس وإخفاء الوثائق المتعلقة بالفساد تم إشعال النار في مبنى حكومي ضخم.

ما هي النتيجة بعد كل هذه الإجراءات؟ إذ ما زال السيف بيد العدالة. حينها سنقول “نحن لا نعترف بالقانون”، وهل يمكن قبول منع وقوع سيف العدالة على رؤوس المخطئين لتحقيق العدالة من خلال تلك العبارة؟

لا بد أن يكون المدعون العامون الذين قاموا بفتح التحقيقات في مجالات تستهدف ساحة المتسلطين في الدولة، أن يتمتعوا بشجاعة لا مثيل لها. وهل يمكن للمدعي العام الذي قام بإطلاق التحقيقات التي تمس الوزراء وأبنائهم والتي يمكن من خلالها زجهم جميعا في السجون، أن يكون رجلا بسيطا لا يتوقع ما الذي سيتعرض له نتيجة هذه التصرفات؟ بل سيقوم هذا المدعي بحساب كافة المشاكل التي قد يتعرض لها في حال فتح التحقيق بخصوص المستندات والوثائق التي بحوزته، كما أنه سيقوم بدراسة تلك الوثائق خمسين مرة في ذهنه قبل إقدامه على مثل هذه الخطوة. ومن ثم يقفز في وسط الساحة ليواجه المتهمين الذين هم مثل الأسود المفترسة، ويُجهّز نفسه ليواجه من تحفز لنهشه وتحويله إلى أشلاء عبر مؤسسات الجرائد التي قد تَسبّبَ بتجفيف منابعها المالية عبر فضح الجهات التي تمولها.

وفي النتيجة ماذا يكون مصير قرارات المحكمة المعطلة والأدلة التي كانت بحوزة ذلك المدعي والتي تم سحبها من يديه؟ هل يمكن للمدعي العام الجديد الذي تم تنصيبه مكانه، أن يقوم بإغلاق تلك الملفات وكأنها لم تكن موجودة أصلا؟ فكما أن فتح تلك الملفات وتلك التحقيقات تطلّب شجاعة لا مثيل لها، كذلك، من أجل إغلاق تلك الملفات، يجب أن يقوم جميع منسوبي القضاء في تركيا بالتواجد ضمن تحالف غير قانوني من أجل طمس تلك الحقائق والأدلة، ولكن هذا من المحال، لأن التحقيقات التي تمت من أجل كشف المحاولات الانقلابية تُشير إلى أن القضاء التركي لا يخلو من المدعين العامين الشجعان الذين يحملون أرواحهم في كفوفهم.

في هذه الأيام، التي لا نسمع فيها أي بيان أو تصريح من السيد أردوغان يفيد بـ”أنه لا وجود لأي نوع من الفساد”، سيُعتبر كل من يقوم بإغلاق هذه الملفات متحملا لكافة الأوزار على عاتقه. وإذا حصلت تلك الكارثة، فسوف تكون سابقة خطيرة في تاريخ الدولة التركية، ونكون نحن في موقع من يودّع العدالة والحقوق وداعا لا رجعة فيه.

من المعلوم لدى الجميع أن السلطة القضائية تعمل ضمن آلية من الاستقلالية وضمن الضمانات التي يتمتع بها القضاة، وتتألف من مجموعة من القضاة والمدعين، ولا تعمل عبر سلسلة هرمية متشددة من الأوامر كما هو الحال في السلطة التنفيذية. وبالرغم من احتقار السيد رئيس الوزراء لرجال القضاء بأنهم مجرد “موظفين” أو”معيّنين”، فهم ما زالوا يحتفظون بسيف العدالة والحقوق في أيديهم.

إن القضاء يقوم بدور الفرملة في تحقيق التوازن أثناء سير الدولة. بينما الذين يعملون على طمس الحقائق وإغلاق ملفات الفساد، إنما يقومون فقط بإغلاق الملفات التي تدينهم.
فليطمئنّ الجميع.. ليس بمقدور أحد أن يغلق هذا الملف، لأن غطاءه ثقيل جدا بحيث لا يمكن لأحد أن يحركه. CİHAN
Son Guncelleme: Sunday 26th January 2014 08:00
  • Ziyaret: 4343
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0