بين الذاتية والعلمية.. دعوة لاختبار مشروعي كولن وأردوغان

Sunday 2nd February 2014 12:01 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب هشام الراس

واحدة من السمات المقلقة جدا في حياتنا الفكرية والعلمية المعاصرة، هي الطريقة التي تُتناول بها تحديات الإنسان والمجتمع والسياسة الناشئة، أو التي تبرز بشكل مفاجئ. وقد يكون ذلك جراء ثقتنا العمياء في أدوات تحليلنا للظواهر. فجلّ الباحثين يتعاملون مع الحدث والظاهرة من منطلق الدرس والتقييم فالاستنتاج، وقد يجهدون أنفسهم في البحث في التاريخ فيستقرؤون. لكن الباحث قليلا ما يقلب النظر في ما يعتمده من آليات بحثية لإنتاج المعرفة.

إن التطرق لمشكلة في السياسة أو المجتمع من باب البحث والخروج بتقييم واستنتاج، ليس بالشيء السهل، وقد يدفعنا لنوع من التريث والحكمة قبل الكتابة فيه. وإذا كنا نطمح لبناء فكري ونظري سليم ومتراص، فلا مناص لنا من المسؤولية والجدية في تناول الأمور.

فالخلاف السياسي الراهن في تركيا بين السيد أردوغان كممثل رسمي ومنتخب والأستاذ فتح الله كولن كشخصية وازنة داخل المجتمع التركي والدولي، لا يسمح لنا بمعالجته من خلال قراءة سريعة للأحداث. فهذا من شأن الصحيفة اليومية، أما محاولة تحليل الأحداث والتقييم، فهي من اختصاص الدوريات أو على الأقل المجلات الشهرية. هذا المقال إذن يسعى إلى طرح علمي وربما ناقد في التعاطي مع الخلاف الراهن من خلال ثلاثة محاور. أسطورة الإطار، ومبدأ القابلية للتفنيد، والمفهوم الجديد للديمقراطية.

أسطورة الإطار وأرضية التوافق

يقول أفلاطون: "لا توجد أرضية مشتركة بين هؤلاء الذين يعتقدون هذا، وأولئك الذين لا يعتقدون، بل إنهم من منظور آرائهم لا بد بالضرورة أن يزدري كل فريق منهما الآخر" (1)

إن أحد الجوانب المزعجة جدا من جوانب النشاط الفكري والتجربة العقلية لعصرنا الراهن، هو ذلك الأسلوب للدفاع الواسع الانتشار عن اللاعقلانية، وتلك الطريقة للتسليم بالمبادئ اللاعقلانية. وثمة على وجه الخصوص، المبدأ المدافع على فكرة استحالة الوصول إلى أرضية توافق، أو على الأقل تفاهم متبادل بين الأفكار والتصورات المختلفة. وهذا بالضبط هو أسطورة الإطار. أسطورة الإطار كما عرفها صاحبها كارل بوبر هي: "أن المناقشة العقلانية والمثمرة مستحيلة ما لم يتقاسم المساهمون فيها إطارا مشتركا من الافتراضات الأساسية، أو على الأقل، ما لم يتفقوا على مثل هذا الإطار لكي تسير المناقشة." (2) ويقابل هذا الاعتقاد التقريري والدوغماتي تصرف معقول، يحترم المبدأ الإنساني، وهو افتراض اقتناعي وشرط أساسي وأولي في أي مناقشة خصيبة ومثمرة تهم جيلا أو أجيالا أو أمة بأكملها: الرغبة في الوصول إلى الصدق أو تفهم أهداف ومشاكل الآخرين سوانا.

فالخلاف القائم بين رجب طيب أردوغان ومعجبيه من جهة وفتح لله كولن ومحبيه من جهة أخرى ممتد الأطراف ومتشعب الأسباب، ولا يمكن لأحد الحسم في دوافعه، أو على الأقل إن كنا نريد أن نتصرف بإنصاف وبعلمية، لَزمنا التقريب أو الإشارة إلى مسألة التأويل، فالحقيقة دائما تسبقنا. وقد يكون سبب الخلاف سيكولوجيا يتمثل في صورة سياسية، أو قد يكون شواشيا* لا يحكمه منطق التفسير المنطقي ولا الإمبيريقي، وقد يكون تركه في خانة "اللامفسر" أو "الميتافيزيقي" أنسب.

هذا المقال يفترض أن مسألة أسطورة الإطار واحدة من الأسباب المتراكبة التي أدت إلى نشوء سوء التفاهم هذا. فإن كان الإطار المرجعي لكلا الطرفين الإسلام، فتأويله عندهما يختلف وإرادة تنزيله كذلك. وقد نومئ إلى إشارة سريعة هنا. لقد تطور ميول أردوغان السياسية على مر السنين منذ انضمامه إلى الاتحاد الوطني للطلبة الأتراك في عام 1976، وتوليه رئاسة فرع الشباب المحلي لحزب الخلاص الوطني الإسلامي، بقيادة نجم الدين أربكان، الذي سيؤسس لاحقا حزب السعادة. ومعلوم أن نجم الدين أربكان كان يلقب بـ"أب الإسلام السياسي". وسواء اتفقنا أم اختلفنا في الحسم بأن أردوغان تلميذ أربكان، فهذا لن يؤثر على افتراض أن أغلب أفكار أردوغان تحكمها دوافع سياسية. أما فتح الله كولن فلم ينخرط فعليا في أي عمل سياسي، وكان نشاطه الفكري ينحو نحو الإنسان والمجتمع، ونشاطه العملي كان يذهب في إطار تشجيع بناء وتكوين الإنسان عبر التربية. ومنذ عرفه الناس داعية ومفكرا إسلاميا يهمه أمر التطرق لحل مشاكل المجتمع عبر محاربة أدواء المجتمع الثلاث: الفقر والجهل والتفرقة، فقد أصبح لقبه "أب الإسلام الاجتماعي".

إن ذكر دوافع الطرفين السيكوفكرية لا يعني الإشارة إلى أن الاختلاف في التصور والإطار المرجعي قد يؤدي إلى الخلاف في الواقع. لكن ذكرنا للدوافع المعرفية هنا يؤيد طرح أسطورة الإطار، الذي هو هنا فئة من الافتراضات الأساسية، أو المبادئ الرئيسية، التي تؤمن أن مشروعا إصلاحيا ما يجب أن يُبنى تصوريا ومنهجيا على هذه الافتراضات والمبادئ، وأن ما خالف هذه المبادئ فهو خاطئ. ومن خلال تصريحات كل من أردوغان وكولن الصحفية يمكن تلمس أبعاد كلام الطرفين. فتحليل خطاب أردوغان السياسي حول الخلاف الراهن يبين أن اختيار أردوغان لأسلوبه وكلماته دغماتي، ومبهم، ومغلق. وجمله/ عباراته التقريرية والفضفاضة تبرهن على ذلك. وقد يكون اعتماده شبه الكلي على مرجعيته الفكرية سببا في ذلك. في المقابل نجد أن رأي كولن في الخلاف يعتمد طرحا حذِرا ومترقبا. فمن خلال المقابلتين الصحفيتين التي أجريتا معه مؤخرا يتضح أن تناوله لمجريات الأحداث يأخذ طابعا توافقيا، فلا هو يتهم طرفا على طرف ولا هو يلمح إلى إطار أوحد. بل تراه ينوه بالمشترك الإنساني والقيم الكونية. كما أن المحلل لخطابه يحس بنوع من الانفتاح والتفتح الخالي من الثقل السياسي بمعناه الإيديولوجي.

هناك العديد من الأسئلة التي تطرح في خضم هذا النقاش السياسي الطابع. و"كلما كانت الأسئلة المطروحة أكثر أهمية وأكثر صعوبة، كلما حفزت المناقشين على التفكير في إجابات أكثر جدة، وكلما زعزعت من آرائهم، وكلما استطاعوا أن يروا الأشياء بعد المناقشة بصورة مختلفة. باختصار، اتسعت آفاقهم العقلية". (3) على أن يكون واحد من شروط تحريك هذه المناقشة هو رغبتنا في الوصول إلى الصدق، وكذلك محاولتنا التعلم من بعضنا البعض. "كما أن نجاح النقاش يعتمد إلى حد كبير على إرادتنا الخيرة، وعلى موقفنا التاريخي، وموقف مشكلتنا". (4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إدغار موران، مدخل إلى التفكير المركب ص: 10
(2) كارل بوبر،أسطورة الإطار، في دفاع عن العلم والعقلانية ص: 61
**نظرية الشواش أو الفوضى الخلاقة: هي نظرية في الفيزياء الرياضية دشنها عالم الأرصاد “تيودور لورنتز”
(3) كارل بوبر،أسطورة الإطار، في دفاع عن العلم والعقلانية ص: 62
(4) كارل بوبر،أسطورة الإطار، في دفاع عن العلم والعقلانية ص: 64 CİHAN
Son Guncelleme: Sunday 2nd February 2014 12:01
  • Ziyaret: 3596
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0