إلى أين سينتهي "تصدّع الوفاق" بين أردوغان وكولن بتركيا؟

Saturday 18th January 2014 12:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب عبد القادر الإدريسي

في الوقت الذي كان الجو السياسي مختنقـًا بما فيه الكفاية، كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، في جولة إلى شرق آسيا، قادته إلى كل من اليابان وماليزيا وسنغفورة، يرافقه فيها سبعة وزراء من حكومته، واستمرت أسبوعـًا. وكان الهدف من تلك الجولة تعزيز علاقات التعاون الاقتصادي مع هذه الدول الثلاث التي تعـد من الدول المتقدمة اقتصاديًا وعلميًا وتكنولوجيًا. وكانت الرسالة التي وجّهها أردوغان إلى شعبه، ومن خلاله إلى العالم بتلك الجولة، تكمن في استقرار الأوضاع في بلاده، وفي عـدم خطورة فضيحة الفساد التي أعلن عنها يوم 17 ديسمبر الماضي؛ إذ لو كان الوضع بالخطورة التي يتحدث عنها الإعلام العالميّ -بما في ذلك الإعلام التركي والإعلام العربي- لما جرؤ رئيس الوزراء على القيام بتلك الجولة التي حققت نتائج مهمة تصبّ في ارتفاع نموّ الاقتصاد التركي الذي يعرف ازدهارًا لافتـًا للانتباه جعل من تركيا الدولة التي تحتل المرتبة العشرين من بين دول العالم الأكثر تقدمًا اقتصاديًا ونموًّا مطردًا وانتعاشًا متصاعدًا.

لقد كان لقضايا الفساد التي أعلن عنها أخيرًا، تأثيرٌ محدود على الاقتصاد التركي، هو دون ما يعلن عنه في الإعلام، وذلك بسبب قوة النظام البنكي، ورسوخ قواعد الاقتصاد الوطني، والإمكانات الوافرة التي توفرها حكومة حزب العدالة والتنمية للمستثمرين من الداخل والخارج، في ظل نظام ليبرالي ديمقراطي مفتوح. وبحسب تصريحات للمحللين الاقتصاديين، فإن هذه الأحداث -التي لم يهدأ فورانُها بعد- لم تضعف الدورة الاقتصادية في تركيا، ولم يحس بها المواطن التركي الذي، وإنْ كان يتابع بقلق ما يجري في الساحة السياسية، فإنه لم يفقد الأمل في إمكان تدارك الأزمة عبر المسارات القضائية. ولكن السؤال المحيّر الذي يتردد كثيرًا في أوساط الشعب التركي خلال هذه الفترة، هو: لماذا تصرفت الشرطة بأوامر من القضاء، من دون الرجوع إلى رئيس الوزراء، أو وزير الداخلية أو وزير العدل، فأوقفت عددًا من المسؤولين ورجال الأعمال بتهمة التورط في الفساد، من بينهم أبناء لثلاثة وزراء قدموا استقالاتهم فيما بعد؟

تقول الحكومة إن جماعة محمد فتح الله كولن هي من يقف من وراء هذه الأحداث بغية الانقلاب على رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وتصف هذه الأزمة بأنها "انقلاب قضائي". ولكن الجماعة تنفي أي صلة لها بما حدث، بينما يصر أردوغان على توجيه الاتهام إلى كولن، وإن كان بطريقة غير مباشرة. وقد صرح مرارًا أن ثمة دولة داخل الدولة، ويقصد بهذا التصريح النفوذَ الذي تحظى به جماعة كولن في دوائر الحكم، خاصة في قطاعَيِ الشرطة والقضاء، وفي مجالات الإعلام والتعليم العالي والأعمال. ويوجد من المراقبين من يضيف إلى هذه القطاعات، الجيش والمخابرات. وفي مقابل ذلك، يذهب بعض المحللين السياسيين إلى أن "داخل جماعة كولن توجد جماعة أخرى" تسير في خط مغاير. مما يعني أن المفكر الإسلامي الفيلسوف والشاعر والكاتب المؤلف والواعظ إمام المسجد سابقـًا المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة 1999، ربما يكون لا يمسك بجميع الخيوط. ويبرر هؤلاء تحليلهم هذا، بأن الخاسر الأكبر من هذه الأحداث هم رجال الأعمال التابعون لجماعة كولن. فكيف تقدم الجماعة على ما أقدمت عليه -إذا ثبت فعلا ً أنها من وراء تفجير فضيحة الفساد- وفي عملها هذا مساسٌ بالمصالح الحيوية لقطاع عريض من رجال الأعمال داخل الجماعة نفسها؟

هذه الفرضية إذا صحت -وهي مستبعدة- يكون على المراقب أن يطرح هذا السؤال: ماذا تريد "هذه الجماعة المخترقة بكسر اللام أو المزعومة" بتوجيه هذه الضربات القاصمة للظهر، إلى رجب طيب أردوغان؟ هل تريد الانقلاب عليه شخصيًا، أم تريد الانقلاب على حزب العدالة والتنمية؟ هناك من المحللين الأتراك من يقول إن كولن يسعى إلى عزل أردوغان الذي ربما يكون قد "استنفد أغراضه" ولم يعد رجل المرحلة، مع الاستمرار في مؤازرة حزب العدالة والتنمية. لقد كان واضحًا أن المواقف التي اتخذتها الدبلوماسية التركية إزاء دول المنطقة (سوريا، إسرائيل، مصر) لم تكن موضع الرضا من محمد فتح الله كولن الذي يُعرف عنه أنه من أنصار الانفتاح على الغرب وتوثيق الصلة بالاتحاد الأوروبي وعدم الدخول في مواجهات مع إسرائيل حرصًا على المصالح العليا لتركيا وعدم الزج بالبلاد في صراعات إقليمية مشتعلة. وكان المراقبون قد سجلوا على أردوغان جنوحه إلى الاندفاع في السياسة الخارجية الإقليمية، ربما كان ذلك تحت ضغط التوجيهات التي تصدر عن "أحمد داود أوغلو" وزير الخارجية، الذي يوصف في تركيا بأنه مهندس الدبلوماسية التركية. ولكن يبدو في نظر عديد من المحللين أن أوغلو "منظّر أكاديمي أكثر من اللازم"، فهو يتصرف من موقعه على رأس وزارة الخارجية، بصفته بروفيسورًا ومفكرًا منظرًا وأستاذًا جامعيًّا للسياسة الدولية أكثر منه رجل دولة يلتزم بالضوابط العملية، ويراعي المتغيرات، ويتغلب على "النزوع الأكاديمي" الذي يؤدي في المجال العملي التنفيذي إلى "الجنوح السياسي"، كما يصف بعضهم هذا المسلك.

ولقد كان واضحًا، وأيضًا منذ أحداث سفينة مرمرة التي كانت تحمل المساعدات الإنسانية إلى قطاع غـزة الفلسطيني، أن كولن ليس على اتفاق "أو مجرد وفاق" مع أردوغان في السياسة التي يتبعها. كما أن المواقف التي اتخذتها تركيا تجاه الوضع في كل من سوريا ومصر، والتي توصف في بعض الدوائر الدبلوماسية والإعلامية، بالتشدد ولربما بالشطط، ليست مما يرضي جماعة كولن. فمن المعروف عن هذا المفكر أنه مهندس الوفاق والتفاهم والحوار والنفَس الطويل وقراءة الحسابات بدقة قبل اتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب، بخلاف ما هو معهودٌ في رجب طيب أردوغان الذي يغلب عليه طابع الزعيم الشعبي الذي يعتمد على مخاطبة الجماهير والتأثير عليها لكسبها إلى جانب حزبه، بغض النظر عما قد يترتب على ذلك من تكاليف باهظة ونتائج قد لا تكون في صالح القضايا التي يعمل من أجلها.

هذا الاختلاف في التفكير وفي الأسلوب بين أردوغان وكولن، كان لابد أن يبرز بالوضوح الكامل في لحظات الأزمة، على الرغم من "الوفاق المبدئي" و"التفاهم التكتيكي" و"تبادل المصالح" بين الرجلين. فمن المعروف أن الفوز الذي حققه حزب العدالة والتنمية في الانتخابات منذ سنة 2002، يعود في الأساس إلى الدعم القوي والشامل الكامل الذي قدمته جماعة النور التي يقودها محمد فتح الله كولن، لهذا الحزب، لالتقاء أهدافهما في خدمة البلد والنهوض بها، ولأنهما يصدران عن أفكار متقاربة من حيث العمق والجوهر.

أما حكاية تسرّب جماعة كولن إلى مفاصل الدولة وتغلغلها في المواقع الحساسة، فينبغي النظر إلى ذلك من زاوية أن الأفكار التي تتبنّاها الجماعة أصبحت ثقافة عامة تشيع في المجتمع، وتيارًا فكريًا عريضًا كاسحًا ينتشر بين جميع الفئات دون استثناء. فليس الأمر إذن، كما يفهم عادة ويفسر بأنه تدبير مخطط له، أو "مؤامرة ضد الدولة"، لأن طبيعة الفكرة الإصلاحية للبناء وللنماء وللولاء التي ينحاز إليها أتباع -أو لنقل أنصار- محمد فتح الله كولن، تتعارض تمامًا مع هذا المفهوم. ومما يفسر هذا الوضع المتميز الذي تتمتع به الجماعة، أنها لا تحمل صفة رسمية، أو اسمًا تعرف به، أو هيكلا ً إداريًّا يجعلها مؤسسة، أو تنظيمًا، أو جمعية، أو حركة على غرار الحركات التي تعمل في المجتمع لتحقيق الأهداف التي ترسمها لنفسها. إن جماعة محمد فتح الله كولن طراز فريد من نوعه على الصعيدين الإقليمي والدولي، فهي ليست حركة إسلامية، كما تفهم عندنا في العالم العربي، وهي ليست حركة سياسية من جملة الحركات السياسية على الشكل التقليدي، ولكنها دعوة صافية المصدر، وثقافة عامة واسعة الانتشار، وفكرة مستنيرة متغلغلة في العقول والضمائر، وتيار قويّ عريض له أتباع وأنصار يعدون بالملايين من المواطنين الأتراك. ورئيس الوزراء، وحزب العدالة والتنمية، وكل المسؤولين في الدولة، يعرفون أن جماعة كولن تستعصي على التصنيف.

ومن هنا تستمد قوتها في المجتمع التركي. وهذه الحالة الفريدة من نوعها، قد لا يفهمها العرب، كما لا يفهمها الغرب.

توقفت عند قراءتي لمقال الكاتبة الصحافية التركية آيلين كوجامان المنشور في “الشرق الأوسط” يوم 8/1/2014 تحت عنوان (الصورة التي أخطأ الصحافيون المعارضون في رسمها عن تركيا) عند هذه الفقرة: "جرى بناء مساجد داخل الجامعات التي أنشئت حديثا في تركيا. يحاول بعض أطياف "المعارضة" استغلال هذا الأمر في توجيه النقد للحكومة بهدف إعطاء انطباع بأن بناء تلك المساجد دليل على عملية "أسلمة" تركيا. غير أن واقع الأمر يقول إننا بلد مسلم، وإننا فخورون بمعتقداتنا الدينية وفخورون بمساجدنا أيضًا. ولهذا السبب لم تستطع الأحزاب اليسارية، منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك وحتى الآن، أن تتبوأ مكانـًا مؤثرًا في الحياة السياسية التركية، بل ظلت تعمل في إطار ائتلافات صغيرة لم تكن قط قوية بالشكل الكافي. ينبغي أن نعير انتباهنا للتحليل الذي يعرضه الكاتب العالمي هارون يحيى بشأن تلك القضية. يقول هارون: الحقيقة الواقعة هي أن الشعب التركي سيستمر في دعم حزب العدالة والتنمية (أقوى الممثلين لأحزاب يمين الوسط والذي شهدت تركيا خلال فترة حكمه نجاحًا غير مسبوق) خلال الانتخابات القادمة أيضًا. وعلى الرغم من الغضب الشعبي التركي الذي يسود البلاد حاليـًّا، يستمر الشعب التركي في دعم حالة الاستقرار الراسخة جنبـًا إلى جنب مع الديمقراطية التي يصاحبها حالة تركية خاصة من التدين الحديث”.

هـذه الحالة التركية الخاصة من "التدين الحديث" -حسب عبارة الكاتبة الصحافية التركية- هي التي تجعل حزب العدالة والتنمية وحركة كولن يلتقيان على صعيد واحد. وهو الأمر الذي يفتح المجال أمام مصالحة عميقة يتردد في تركيا أن رئيس الجمهورية عبد الله جول يرتب لها ويسعى من أجلها لمصلحة البلاد. CİHAN
Son Guncelleme: Saturday 18th January 2014 12:00
  • Ziyaret: 3620
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0