أردوغان يحِنُّ إلى 28 فبراير

Tuesday 18th March 2014 10:00 Kategori جدول أعمال
İSTANBUL (CİHAN)- بقلم الكاتب الصحفي عبد الحميد بيليجي

بالتأكيد كان في النموذج الوصائي للنظام في العقد الماضي تراجعات، ولكن لا يمكن القول إننا تَمكَّنَّا من أن نستبدل به نظامًا آخَرَ ديموقراطيًّا. ومن الواضح أن تركيا ستتجه من جديد إلى حالتها القديمة، إذ نَأَت بنفسها عن القيم الديموقراطية وعن رغبتها في عضوية الاتحاد الأوروبي.

لقد قُووِمَت هذه الوصاية بفضل النجاح المشترك لائتلاف كبير، فقد جاهد عبد الله جول ورجب طيب أردوغان وقادة آخرون في حزب العدالة والتنمية لكي يتحقق ذلك، غير أن الفئات الاجتماعية التي قدَّمَت الدعم للسياسات الصحيحة لهم نصيب في هذا النجاح أيضًا. الليبراليون والديموقراطيون الاجتماعيون والمثقَّفون المحافظون، وحركة "الخدمة" والجماعات الدينية الأخرى، ومنظَّمات المجتمع المدني والأتراك والأكراد والعلويون وأعضاء السلطة القضائية مثل النائب العامّ زكريا أوز، والأعضاء الديموقراطيون في الجيش مثل حلمي أوزكوك، والصحفيون الديموقراطيون مثل حسن جمال، وأحمد ألتان، وشاهين ألباي، ومحمد بارانسو، وألبر جرموش، وشخصيات مثل "توفان أرجودر" رئيس شرطة حكاري، الذي استقال من منصبه قائلاً: "لا أستطيع أن أتحمل هذا الظلم"، كل هؤلاء كانوا أعضاء في هذا التحالُف الديموقراطي. ولو لم يكُن الأعضاء الواضحون في المحكمة الدستورية قد اختاروا أن يقدِّموا الدعم للديموقراطية في مواجهة تهديدات الهياكل الوصائية، لما كان أيُّ نجاح يُفتخر به، فقد كان وجود التحالف الديموقراطي ظاهرًا في الاستفتاء الذي أُجرِيَ في 12 سبتمبر 2010، بنسبة 58 في المئة ممَّن صوَّتوا بـ"نعم".

للأسف كان في عملية التحول الديموقراطي تباطؤ في ما يتعلق بالشكل الذي سُوِّقَت تركيا به سواء في العالم الإسلامي أو في الغرب. ثم توقفت هذه العملية تمامًا. واليوم، نشهد بحزنٍ انحدارًا في عديد من المجالات، بما في ذلك السياسة الخارجية والديموقراطية وسيادة القانون والاقتصاد. ولكن لماذا؟ هل أصابتنا العَيْن، أم أن السبب هو قوى خارجية وحركة "الخدمة"، كما يشير بعض وسائل الإعلام، خاصة من كانت محسوبة للحكومة؟

يعرف الأشخاص العاقلون والمنصفون أنه لا أساس لهذه الادِّعاءات. قد تنطبق فرضية "القوى الخارجية" على حالة رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان، الذي عزَّز سياساتٍ معاديةً للغرب وسعى إلى توحيد العالم الإسلامي. وبالفعل خلال فترة تَوَلِّيه رئاسة الوزراء، لم يحدث أن زار أي عاصمة غربية. وحاول أن ينشئ منظَّمة دولية تسمى «D-8»، ومن ثَم يمكننا أن نفهم جيدًا لِمَ عارضَته القوى الخارجية. لكن أردوغان كان سريعًا في إعلانه خلع عباءة رؤيته القومية (ميلي كوروش، النزعة الفكرية السياسية التي تزعّمها أربكان)، وأكَّد أكثر من مرة رغبته في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فقد استقبله الرئيس الأمريكي جورج بوش في المكتب البيضاوي (oval office) بصفته رئيسًا لحزب العدالة والتنمية. وحصل بسهولة على جائزة الشجاعة من اللوبي اليهودي، وحافظ على علاقات طبيعية مع إسرائيل حتى حدث الهجوم الإسرائيلي عام 2010 على أسطول المساعدات المتجه إلى غزة الذي خلّف ثمانية قتلى أتراكٍ وقتيلاً تركيًّا أمريكيًّا. وكما فعل الإعلامُ العربيُّ، دعم الإعلامُ الغربيُّ أردوغان، حتى إن أربكان وعديدًا من السياسيين القوميين الجُدُد اتهموه بأنه عميل للغرب/إسرائيل. بعبارة أخرى، فرضية "القوات الأجنبية" ليست مقنعة هنا.
ظنَّ أردوغان أنه يستطيع أن يستخدم حركة "الخدمة" ككبش فداءٍ لكل التطوُّرات غير المرغوب فيها، باتهامها بالتحكُّم في نادي "فناربخشه"، أو حتى منع الراقصة أسينا من أن تكون عضوًا في لجنة مسابقةٍ للرقص. ومع ذلك -كما يعلم الجميع- فقد دعمت حركة "الخدمة" بشكلٍ كاملٍ حزبَ العدالة والتنمية في ما يخصّ القضايا الهامَّة، مثل الدعاوى القضائية ضد أرجنيكون (منظَّمة سريّة متداخلة في الدولة، تحاول إسقاط الحكومة المنتخَبة ديمقاطيًّا أو التلاعب بها)، ومثل المذكِّرة الإلكترونية للسابع والعشرين من إبريل 2007. فالادِّعاء بأن حركة "الخدمة" كانت ضد عملية أوسلو وأنها استهدفت حزب العدالة والتنمية في السابع من فبراير 2012 هو كذبة ذات نية سيئة، فلِمَ ترغب هذه الحركة في إسقاط أردوغان بعد أن منحته الدعم الكامل حتى الانتخابات العامة الأخيرة في يونيو 2011، لكي تتمكن من وضع مسودة لدستور مدني؟ إنه سؤال لا يمكن لأحدٍ أن يجيب عنه. والموقف الذي اتخذَته صحيفة «زمان» عند تسريب محادثات أوسلو يدحض هذا الادِّعاء أيضًا.

فلو كانت حركة "الخدمة" هي المشكلة الوحيدة، فإن هؤلاء الذين يؤيدون حزب العدالة والتنمية داخل وخارج البلاد سيُشِيدُون بالتطوُّرات الأخيرة في تركيا، بما في ذلك قوانين منظَّمة الاستخبارات الوطنية (MIT)، وقانون مراقبة الإنترنت والمجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامِّين (HSYK)، والتدخلات في وسائل الإعلام. ولكنْ لا أحد، لا حسن جمال وطه أكيول والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أو أحزاب المعارضة، لا أحد سعيدٌ بالتطوُّرات الحالية في تركيا، حتى إن صحيفة "ذي فاينانشيال تايمز" التي اعتادت منح حزب العدالة والتنمية دعمًا كبيرًا، نشرت خبرًا في السابع والعشرين من فبراير بعنوان "رجب طيب أردوغان هو مصدر مشكلات تركيا". ودعنا نقُل إن هذه الورقة تنتمي إلى «عدوّ خارجي»، فماذا يمكنك أن تقول عن تصريحات زعيم حزب السعادة (SP) مصطفى كمالاك، الذي يمثل حركة الرؤية الوطنية وضحية انقلاب ما بعد الحداثة 28 فبراير بأن "إغلاق المدارس التحضيرية الخاصة يبدو امتدادًا للثامن والعشرين من فبراير"؟
فما المشكلة إذن؟ فى أثناء استقالته من حزب العدالة والتنمية أعرب وزير الداخلية السابق إدريس نعيم شاهين، أحد المقرَّبين لرئيس الوزراء أردوغان لفترة طويلة، وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، عن عدم ارتياحه لهيمنة قِلَّةٍ تضمّ سياسيين وبيروقراطيين على الحزب، في حين لا تبدو نيتهم واضحة. تبدو ملاحظتُه ذاتَ أهمية لإيجاد مفاتيح للردِّ على هذا السؤال. ومع ذلك فإن المشكلة الأساسية هي حقيقة أننا لا نملك الخبرة الديموقراطية المؤسَّسة جيِّدًا، ففي بلادنا التي حكمتها الوصاية العسكرية منذ فترة طويلة، لا وسائل الإعلام ولا البيروقراطية ولا الأوساط السياسية تعرف حدودها القصوى في نظام ديموقراطي طبيعي. ومن ثَم فحتى الحكومة المنتخَبة ديموقراطيًّا يحيط بها شبح الوصاية. ولا تواجه الحكومة أيَّ صعوباتٍ في العثور على المؤسسات الإعلامية والمثقَّفين الذين سيدعمون أفعالها. لقد أُخِذَ البيان النموذجيُّ الآتي من دفاع حزب العدالة والتنمية في إغلاق القضية المرفوعة ضدَّ حزب العدالة والتنمية الذي يعطّل سيادة القانون حاليًّا ويقذف شتائمَ فَظَّةً في وجه أناسٍ أبرياء: "إن الاتهامات المرفوعة ضدنا ليست سوى أفكار عامَّة كـ«الإمبريالية» و«الخيانة» و«متحالفون» و«رجعيَّة» و«الأعداء الداخليون والخارجيون» و«مشروع الهيمنة السياسية»، وكلها لا يمكن تعريفها بالقوانين وتعكس الموقف الآيديولوجي للمدَّعي الذي أعدَّ لائحة الاتهام".
CİHAN
Son Guncelleme: Tuesday 18th March 2014 10:00
  • Ziyaret: 3377
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0