قصة فلسطيني "ابتزته" إسرائيل.. فـ"خان" وطنه

"ساوموني على العلاج وهددوني بقتل أطفالي وقصف منزلي واعتقالي إذا رفضت تنفيذ أوامرهم... توقعت أنها مهمة واحدة أو مهمتين وسينتهي كل شيء وبعد فترة اكتشفت أني عميل لإسرائيل".

بهذه الكلمات بدأ أحد العملاء الفلسطينيين لصالح إسرائيل بقطاع غزة حواره مع مراسل وكالة "الأناضول" للأنباء الذي أجراه معه في غرفة تحقيق بأحد سجون جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة القطاع التي تديرها حركة "حماس".

كان أربعينيا، هادئاً ووقوراً، لحيته بيضاء متناسقة وشعره الذي كسا الشيب جزء منه، عيناه تروي حكايته مع الحياة وتجربة قاسية أجبر على خوض غمارها رغم إدراكه أن نهايتها لن تكون إلا على حبل المشنقة أو رمياً بالرصاص وفي أحسن الأحوال وراء قضبان سجن تقتات من سني عمره، ومستقبل أسرته بأكملها.

يروى العميل الغزي لصالح اسرائيل–الذي رفض الكشف عن اسمه أو كنيته- طريقة إسقاطه واستدراجه للتخابر مع جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك" قائلا: "بدأت حكايتي في بدايات عام 2008عندما قدمت طلب تصريح دخول لإسرائيل لإجراء عملية جراحية في ظهري فرفض طلبي وبعد فترة اتصل بي شخص قال إنه يتبع لأحد مراكز حقوق الإنسان وإنه سيساعدني لاستخراج تصريح لأتمكن من إجراء عملية داخل إسرائيل".

"بعد فترة بدأ الشخص الذي ادعى أنه ممثل لأحد مراكز حقوق الإنسان بطلب معلومات عن حالتي الصحية ووضعي المادي ولم تمضي أيام حتى تم استخراج تصريح يسمح لي بدخول إسرائيل للعلاج".

"أجريت العملية وعدت إلى قطاع غزة وبعد أيام ذهبت لإسرائيل للتأكد من نجاح العملية، ونتيجة للوضع المادي السيئ الذي كنت أعيشه قررت استخدام تصريح العلاج للعمل داخل إسرائيل، ولم تمضي أيام قليلة حتى اتصل بي مركز حقوق الإنسان وطلب مني تسليمه نسخة من التصريح ولكني رفضت ذلك".

"عاود شخص من ذات المركز الحقوقي اتصاله بي، وسألني عن مكان تواجدي فقلت له إنني في مدينة رام الله (بالضفة الغربية المحتلة)، فكان رده صادماً لي، حيث أخبرني بمكان تواجدي الحقيقي في مدينة رمات غان شمال إسرائيل، وهددني باعتقالي إن لم أقبل الحضور لمقابلته، فقبلت، وجاءت سيارة إلى مكان تواجدي (بإسرائيل) ونقلتني إلى مكان اللقاء".

"مكان اللقاء كان عبارة عن شقة سكنية يتواجد فيها ثلاثة أشخاص، اكتشفت بعد ذلك أنهم ضباط للمخابرات الإسرائيلية، وهم حسب أسمائهم الحركية أبو فادي، علي، زيدان، والأخير هو الضابط المسؤول عني".

"تحدث الضابط المدعو زيدان إليّ بأسلوب لطيف قائلا: نحن لا نريد منك شيء سوى أن توصل نقود إلى بعض الأماكن في قطاع غزة، فاعتقدت أن الأمر بسيط وأنها ستكون المهمة الأولى والأخيرة".

"بعد فترة من مغادرتي إسرائيل وإيصال الأموال للأماكن المتفق عليها اتصل بي أبو فادي وطلب مني السفر لإسرائيل، فرفضت، لكنه استغل مرض طفلة من عائلتي بالسرطان وحاجتها للعلاج داخل المستشفيات الإسرائيلية ومنع إصدار تصريح لأي من أفراد العائلة لمرافقتها باستثنائي، فأجبرت على مرافقتها خوفا على حياتها... وعدت لإسرائيل مجدداً".

"لكني حرصت على عدم الخروج من مستشفى (تل هاشومير) الذي تتلقى الطفلة العلاج فيها، إلا أن أبو فادي فاجئني بالحضور إلى المستشفى وهددني بحرمان الطفلة من العلاج (ما يعني موتها) إن لم أقبل بنقل أموال جديدة وأجهزة جوال إلى قطاع غزة، فقبلت العرض ونفذت المهمة الثانية".

"بعد عودتي بالطفلة من إسرائيل عقب تلقيها العلاج هددني أبو فادي بقتل أطفالي وقصف منزلي في حال لم أنفذ أوامره واستمر في نقل الأموال وأجهزة الاتصال النقالة من إسرائيل لغزة، وبعد فترة تطور العمل وبدأ الضابط يسألني عن معلومات تتعلق بأنفاق المقاومة في منطقة سكني، وقادة فصائل فلسطينية ومسؤولين وسياسيين ومقاومين".

"فكرت كثيرا أن أكذب عليهم ولكني لم أستطع في كثير من الأحيان لقناعتي أنهم سيكتشفون كذبي فينفذون تهديدهم بقتل أسرتي فرحت أمدهم بكل ما أعرف من معلومات بسيطة، حتى لا أقع في فخ العمالة".

"لكني بعد فترة من التواصل مع الضابط أبو فادي اكتشفت أنني بت عميلاً بالفعل أقوم بأخطر مهمة توكل إلى المتخابرين مع إسرائيل في غزة، وهي نقل الأموال من إسرائيل ووضعها في أماكن عامة ليتمكن بقية العملاء من استلامها".

"حاولت كثيرا التراجع لكنني لم أعرف لذلك سبيلا، خاصة أنني كنت مقتنعا أن مسؤولي السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية لن يتعاملوا مع الأمر بجدية، في حين سيقتلني جهاز الأمن الداخلي في قطاع غزة لو علم بأمري".

أما عن أخطر مهمة قام بها فيعترف "نقلت مبالغ ضخمة من الأموال لقطاع غزة بلغت في إحدى المرات 12 ألف دولار أمريكي".

وبخلاف مهمته الأساسية التي تمثلت في "نقل الأموال والإدلاء بمعلومات عن المقاومة في غزة" يقول "طلب مني ترشيح فلسطينيين من غزة يمكن إسقاطهم ليعملوا لصالح المخابرات الإسرائيلية".

ويحكي أن المبلغ الذي كان يتقاضاه من المخابرات الإسرائيلية مقابل عمله معهم كان "ضئيلاً جداً وغير مجدي"، رافضاً الكشف عن قيمته.

وبحسب المتخابر الفلسطيني مع إسرائيل فإن "لشاباك يستخدم النساء والإسقاط الجنسي بشكل كبير مع العملاء"، مؤكداً أن ضابط المخابرات "أبو فادي" عرض عليه المبيت في فندق مع امرأة لكنه رفض ذلك، على حد قوله.

ويؤكد أن "العملاء في غزة لا يعرفون بعضهم البعض، فقد كنت أنقل مبالغ من المال لعملاء في قطاع غزة لكني لا أعرفهم، وأتوقع أن عدد المتخابرين مع إسرائيل داخل قطاع غزة قليل".

ويكشف عن مزيد من أساليب تعامل مخابرات الاحتلال مع العملاء قائلا "المخابرات الإسرائيلية تتخلى عن عميلها فور كشفه واعتقاله وتحاول في كثير من الأحيان مساومة أفراد أسرته للعمل معهم مستغلة الوضع المادي الصعب الذي تعيشه الأسرة والحالة النفسية التي وصلت إليها بعد اعتقال معيلها".

وفي رسالة وجهها عميل المخابرات الإسرائيلية لباقي العملاء عبر حواره مع الأناضول قال "أنا صاحب تجربة أقول للجميع العميل مثل ورقة الفاين (مناديل ورقية) عندما ينتهي منه ضابط المخابرات يلقي به في سلة القمامة دون الالتفات إليه".

وتم اعتقال العميل في شهر يوليو/ تموز من العام 2010 بعد أن اكتشف جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة غزة أمره.

يذكر أن وزارة الداخلية، التابعة لحكومة قطاع غزة، أطلقت الثلاثاء الماضي 12 مارس/آذار 2013 حملة لمواجهة التخابر مع إسرائيل وفتح باب "التوبة" لعملاء جهاز المخابرات الإسرائيلي في القطاع، تنتهي في 11 أبريل/نيسان المقبل.

وقال الناطق باسم وزارة الداخلية إسلام شهوان، خلال مؤتمر صحفي عقده أمس الأربعاء في مدينة غزة إنه "بالتزامن مع حملة مواجهة التخابر مع العدو الإسرائيلي فإننا نعلن عن فتح باب التوبة أمام من تبقى من عملاء إسرائيل وندعوهم لتسليم أنفسهم".

وأوضح شهوان أن العملاء الذين سيسلمون أنفسهم لجهاز الأمن الداخلي "سيتم معاملتهم بسرية تامة ولن يتم احتجازهم"، مشيرًا إلى أن "القضاء سيتعامل معهم بإيجابية إذا ثبتت عليهم المشاركة في جرائم قتل أو ما شابه".

Son Guncelleme: Thursday 14th March 2013 10:36
  • Ziyaret: 5852
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0