!ما حكم "دولة" تخشى شعبها؟

Saturday 21st July 2012 05:34 Kategori الكتاب


العيد صالحي
salhi.laid01@yahoo.fr

شاع في العرف الجزائري إطلاق مصطلح "الدولة" على "السلطة" إختزالا لهذه الكينونة الدستورية في مجموع المؤسسات الحاكمة(!)

بل الأدهى من ذلك – و بعد عمر يسير من الإستقلال- أصبح مصطلح "دولة" يطلق على بعض الأشخاص و العائلات ذات النفوذ السياسي و المالي و العسكري، إختزالا لدور هؤلاء في صناعة السيناريو الوطني و توجيه الحياة العامة وفق إملاءات يجهلها الأمي و المثقف، و لا يساهم في صياغتها غير أصحاب النفوذ، أو ما يطلق عليه في لغتنا البسيطة "الغرفة السوداء" التي صنعها الإستقلال القاصر المليء بالتناقضات النوعية و هو ما أدى إلى فصل جسد الشعب عن الرأس/ السلطة في ديكور شبيه بمقولة أحد السياسيين "فيل برأس نملة".

شيء عن الذاكرة الوطنية: شهد الدستور الأول للجمهورية الجزائرية المستقلة تجاذبات عنيفة بين القيادات الثورية أدت إلى تبني إحداها فكرة العمل المسلح في سنة 1963، فكان رد الفعل الجماهيري الموجه "سبع سنين بركات" أي الركون إلى نعماء الإستقلال في إنتظار إستكمال بناء الدولة الجزائرية المنشودة، غير أن ذلك لم يدم إذ سرعان ما باشرت إحدى القوى العسكرية الثورية إلى "إنقلاب" هادئ و ذكي سمي حينها بالتصحيح الثوري فكان الدستور الأحادي الذي إختزل مؤسسات الدولة في سلطة واحدة و شخص واحد، بينما سمي ما عداها "وظائف تشريعية و قضائية ...، إلى أن جاء وقت تصفية الحسابات لمجيء الشاذلي بن جديد (الرئيس غير المعروف و غير المنتظر).

و بروز تباينات سياسية داخل الجهاز القائد إلى الحياة العامة منذ بداية الإستقلال و هو جبهة التحرير الوطني، التي تحولت إلى حزب سياسي بعدما أطلق عليه تجاوزا "الربيع العربي الجزائري السابق لأونه " في 5 أكتوبر 1988 و الذي كان متنفسا محتشما للتراكمات التاريخية العابرة و التي كانت نتيجتها الحزب المحظور (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) و الإنقلاب السلطوي على الإرادة الشعبية غير الواعية "و ركوب مبرر الإرهاب الإسلاموي إثر قطع المسار الإنتخابي في ديسمبر 1991 و ظهور العمل الإرهابي المسلح كنتيجة غير المنتظرة لإفتراضات و تخمينات غير متوقعة و مشبوهة.

و كان من نتائج العمل المسلح نشوء جبهة مسلحة جديدة أطلق عليها مجازا "الرجال الواقفون" أو قوات الدفاع الذاتي كصورة شبيهة بما أسماه أحد كبار المسؤولين السياسين "دعوا الشعب يحارب الشعب" فإلى مأل غير منتظر و لا متوقع هو "المصالحة الوطنية" و لكن هذه المرة "عشر سنين بركات" لتنطفي جمرة الإرهاب و تنطلق حملة السعي إلى المكاسب، خاصة بعد تنامي المؤشرات المالية و التوجه الإقتصادي غير المفهوم لأثرياء الحرب الجدد في غياب كامل للوعي الواقعي بامتدادات السيناريو التاريخي للجزائر شبة المستقلة...

فإلى الملامح الجديدة لجمهورية الرجال الغاضبون و السلطة الخائفة(!!)

ملامح الدولة الجزائرية بعد الحصاد:

تبين بعد مرور خمسين سنة من الإستقلال أن الجزائر مازالت تحت وطأة تجاذبات القوى الكبرى بدءا من فرنسا المستعمرة القديمة، وصولا إلى أمريكا الملهمة (!) الجديدة، لكن و في ظل السطوين يحاول رعاة المصالح الخارجية الحفاظ على مكانتهم و زرع أنواع من الإحباط و اللا إستقرار النفسي و الإجتماعي فكان من نتائج هذا المشهد:

أولا : إنتشار ثقافة اللا أمن داخل نفوس المواطنين الجزائريين، و هو ما أدى إلى ظهور الإستيلاب الفكري و الإجتماعي من جهة، و بروز ظاهرة اللاثقة بين الحاكم و المحكوم، بل و الأدهى و الأمر اللاثقة بين المحكومين في حد ذاتهم.

ثانيا: غياب المعارضة السياسية و الإجتماعية ... المنظمة التي تمتلك لأدوات الحشد الجماهيري (الإعلام)، و الأليات الكفيلة بتوجيه الرأي العام، في غياب الثقة و إنعكاس إرهاصات الثوارت العربية بردائها الموجه على نفسية الأفراد و الجماعات الوطنية.

ثالثا: و هو أهم نتيجة وصلت إليها الجزائر في نهاية عشرية الإرهاب، أقصد غياب "النخبة" المؤهلة لقيادة أي مسعى إصلاحي بنائي داخل الجزائر، لا إعتبارا لهجرتها خلال الأحداث إلى خارج الديار فحسب، و لكن إنعكاسات النتائج الأولى (اللاأمن + اللاثقة) داخل نفوس هذه الفئة.

و الأدهى من ذلك، قدرة السلطة على إختراق صفوف هذه النخبة، و صناعة النخب الموازية سياسيا و أكادميا و فكريا.

إلى أين تتجه الجزائر؟

تظهر الجزائر الآن، و بعد خمسين سنة من الإستقلال بمنأى عن الفتنة العربية (الربيع العربي) نظرا لإمتلاك السلطة مسكنات و مهدئات المجتمع الداخلي (المال)، هي نفس أليات الرشوة الموجهة إلى الدول و الهيئات الدولية الضاغطة :

غير أن عجز "الدولة " عن بعث الروح الوطنية ، و صناعة النهضة، خاصة في ظل "اللادستورية " التي تعيشها مؤسسات الدولة منذ سنتين تقريبا، و ظهور بوادر الإنشقاق داخل المؤسسة العسكرية التي تصنع رئيس الجمهورية، و تقرر طبيعة النظام السياسي (في غياب معارضة داخلية راشدة ) : إضافة إلى عجز صانع القرار الفعلي عن تصفية الحسابات التاريخية و إرساء معالم الدولة الديمقراطية، في ظل الحريات المكفولة قانونيا، و العدالة المضمونة مؤسساتيا.

و هو الواقع الذي يؤدي إلى الإحتقان الداخلي و الخوف من المجهول و العجز عن سماع مقترحات التعديل الدستوري الحقيقية ، في إشراك جماعي وطني (داخلي و خارجي) للإرادات الصادقة و قراءة عميقة للواقع العالمي و الإقليمي .


Son Guncelleme: Saturday 21st July 2012 05:34
  • Ziyaret: 11843
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 1 0

Yazarın Diğer Yazıları


الأزمة السورية وظاهرة الإمتداد القومي العربي
الدولة القومية و انكماش مفهوم المجال المحفوظ
الربيع العربي . . . و حصاد الإخوان المسلمين
إلى أين تتجه تونس؟ 1/ 3
السيرة الذاتية