خبراء يرفضون "معركة الدستور الوهمية" في مصر
رأوا أن التركيز على التفاصيل يعكس رغبة أطراف معينة في أن يمنحها الدستور الجديد وضعاً يساعدها في ملء الفراغ السياسي بعد ثورة 25 يناير، مؤكدين أن "الشيطان يكمن في التفاصيل".

حازم بدر

القاهرة – الأناضول

حذر خبراء سياسيون من أن انشغال القوى السياسية في مصر من كافة التوجهات بما أسموه "معركة كتابة الدستور" الجديد التي وصفها أحدهم بـ"الوهمية".

وفي تصريحات خاصة لمراسل وكالة الاناضول للأنباء، أشار هؤلاء الخبراء إلى أن "هناك قوى سياسية تنشغل بأدق التفاصيل في صياغة الدستور ولا تريد أن تتجاوزها لطي هذه الصفحة والالتفات لقضايا أخرى أكثر حيوية".

طارق فهمي، الباحث السياسي بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، قال في تصريحات خاصة للأناضول "كل شريحة في المجتمع تريد أن تكتب دستورًا خاصًا بها، وهذا يجعلهم يدققون في التفاصيل، والشيطان يكمن في التفاصيل كما يقول المثل".

وأوضح أن "مصر بلد قديم ولديها ثوابت من آلاف السنين، وهو ما كان من المفترض أن ينعكس على الأداء في كتابة الدستور، ولكن سعي كل فصيل لمصلحته هو الذي خلق هذه الأزمة، التي سيدفع المواطن البسيط ثمنها".

واستطرد فهمي "المواطن يهتم بتوفير احتياجاته من الخبز والطاقة وغيرهما من الأمور، وهذه الخدمات لن تنتظم إلا ببناء كل مؤسسات الدولة، خاصة الكيان التشريعي، وهذا البناء لن يكتمل طالما لم يتم الانتهاء من كتابة الدستور".

ولم يرَ فهمي حلاً لهذه الأزمة سوى "الحوار"، داعيًا كل القوى السياسية إلى "تغليب المصلحة العامة على مصلحة الفصيل أو الفئة أو التيار الذي يمثله، وعدم التشبث بمواقف ليست جوهرية ولن يكون لها تأثير على وضع مصر السياسي".

من جهته اتفق محمد الصاوي عضو الجمعية التأسيسية للدستور المصري مع الرأي السابق في مسئولية ما سماه بـ "شيطان التفاصيل" عن هذا الوضع "المرتبك"، بحسب وصفه.

وقال الصاوي في تصريحات خاصة لمراسل الأناضول "لدينا من الثوابت والأصول في مجتمعنا المصري ما يفوق إنجلترا، التي لا يوجد لديها دستور، وهو ما كان ينبغي أن ينعكس على كتابة أيسر وأسهل للدستور بدون مثل هذه الخلافات والمواقف المبالغ فيها".

ووصف المعركة الدائرة حول المادة الثانية من الدستور بأنها "وهمية"، مضيفًا "نحن مجتمع متدين بطبعه، ولن يؤثر على تديننا إن كان في الدستور كلمة (مبادئ) أو (أحكام) الشريعة".

ولا يزال الجدل مثارًا في مصر – حاليًا – حول كلمتي "المبادئ" و"الأحكام"، حيث يرى السلفيون أن كلمة "المبادئ" عامة، وطالبوا باستبدالها بكلمة "أحكام"، وذلك في نص المادة الثانية من مسودة الدستور التي تنص على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

ورأى الصاوي أنه لا مخرج لهذه الأزمة سوى "الحوار بغية الوصول إلى معادلة يتفق عليها الجميع"، رافضًا في الوقت ذاته "فكرة إصدار دستور مؤقت".

وأوضح "لا يوجد دستور مؤقت ودستور دائم، لأن الشعب مصدر السلطات وبإمكانه إسقاط الدستور بعد 24 ساعة إن أراد".

وطرح المستشار محمود مكي نائب الرئيس المصري خلال لقائه أول أمس مع وفد من الشباب يمثل القوى السياسية المختلفة فكرة إصدار دستور مؤقت لفترة محددة يتفق عليها، لتجاوز الأجواء المشحونة في الوقت الراهن.

وحتى يتم التوافق على هذا الحل أو غيره لا يرى الباحث الإسلامي كمال حبيب أن دعوة الرئيس مرسي القوى السياسية للحوار، والتي قوبلت بالرفض، كافية.

وقال حبيب في تصريحات خاصة للأناضول "حتى يكون الحوار جادًا، لابد أن يسبقه إعلان أجندة للحوار، يقدم فيها الرئيس رؤيته المتكاملة لآلياته والقضايا التي سيناقشها".

"وبدون ذلك، ستظل معركة الدستور مشتعلة، وهي معركة لن تهدأ - بحسب حبيب - بسبب وجود فراغ هائل في المجال السياسي والاجتماعي في المرحلة الانتقالية بعد ثورة 25 يناير 2011، وكل تيار سياسي يسعى لملء هذا الفراغ، ويحاول عكس وجوده على الساحة السياسية من خلال مواد في الدستور".

وأضاف "في ضوء هذا السياق الصراعي، يتم التركيز على تفاصيل التفاصيل، وهو ما ظهر في مسودة الدستور التي عكست وجود ضغوط تم ممارستها من قبل قوى معينة لوضع مواد تلائمها".

واشتعلت معركة الدستور بشكل كبير بعد طرح مسودته الأولى للنقاش العام الأسبوع الماضي، والتي سارعت فئات عديدة من المجتمع والقوى السياسية إلى رفضها لأسباب متنوعة.

حيث أصدرت الدعوة السلفية بيانًا الثلاثاء الماضي أوضحت فيه موقفها الرافض للمسودة وخاصة ما يتعلق بمادة "الشريعة الإسلامية"، وقال البيان إنه تم الاتفاق على بقاء المادة كما هي في دستور 1971 مع وضع مادة أخرى مفسرة لكلمة "مبادئ الشريعة الإسلامية"، وتمت الموافقة على هذا الاقتراح، إلا أنهم فوجئوا بحذف هذه المادة من المسودة، وهو ما لا يمكنهم تمريره، ولا السكوت عليه، بحسب البيان.

وأشارت الدعوة السلفية في بيانها أيضًا إلى أنها أصرت على أن يتم وضع مادة ضابطة في أول باب الحريات بالدستور تنص على ممارسة الحقوق والحريات بما لا يخالف قيم المجتمع ونظامه العام، ورغم الاتفاق على هذه المادة، إلا أنهم فوجئوا أن المسودة أيضًا خلت منها، على حد قولها.

في المقابل، شنت القوى الليبرالية واليسارية هي الأخرى هجومًا عنيفًا على المسودة، وأعلن نحو 20 حزباً وحركة سياسية رفضهم التام لها في مؤتمر صحفي عقد مساء الثلاثاء الماضي بنقابة الصحفيين.

وأكدوا في بيان مشترك على موقفهم الرافض لمسودة الدستور المعلنة بتاريخ 14 أكتوبر، "لما يشوبها من تشوهات خطيرة وإخلال جسيم بحقوق وحريات المصريين والمصريات، خصوصًا ما يتعلق بمنع التمييز ضد المرأة والحقوق الأساسية للطفل، فضلاً عن تغييبها لمبادئ العدالة الاجتماعية وإطلاقها لسلطات رئيس الدولة من دون آليات لمساءلته ومحاسبته وإهدار شرط التوازن بين السلطات والافتئات على مبدأ استقلال القضاء".

وعقد المجلس القومي للمرأة بدوره مؤتمراً صحفياً أعلن فيه رفضه لما وصفه بـ"تقييد حقوق المرأة في المادة 68 من مسودة الدستور بأحكام الشريعة، مما يفتح الباب أمام آراء الفقهاء والمذاهب المختلفة، ويبيح زواج الطفلة في سن 12 عاماً أو أقل أو أكثر والختان وغيره من الممارسات الضارة طبقاً لآراء فقهاء لا سند لها، كما أنها أوجدت صورة مغلوطة تضع الشريعة الإسلامية في حالة عداء مع المرأة وجعلها سبباً لانتقاص حقوقها".

وأصدرت المحكمة الدستورية العليا من جانبها بيانًا عبرت فيه عن رفضها "الكامل والتام" لوضعها في مسودة الدستور الجديد، واعتبرته "ردة للوراء وانتهاكًا بالغًا لسلطة المحكمة وسلبًا لاختصاصاتها" بما يهدد عملها ومكتسباتها الدستورية والقانونية المستقرة.

Son Guncelleme: Thursday 25th October 2012 10:37
  • Ziyaret: 4940
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0