العم "متيش" يروي جزءًا من معاناة تركمان سوريا من النظام
اعتقدَ أن النظام سيكافئه على أفكاره

أنقرة – الأناضول

محمد شيخ يوسف

روى العم "محمد متيش"، الذي أمضى قرابة سبع سنوات، في سجون النظام السوري، في تسعينيات القرن الماضي، جزءا من معاناة التركمان، من نظام الأسد، عجزت فيه كلماته، عن وصف حجم الإهانات والشتائم التي تعرض لها، مترافقة مع الضرب والتعذيب أثناء التحقيق.

وتركت المعاملة السيئة التي لقيها "العم متيش" آثارها عليه حتى يومنا هذا، حيث لا زالت قدماه تئن من أثر الضرب، وتُرجف عليه ليله ونهاره، مذكرة إياه بأيام لا يرغب أن تنحشر في ذاكرته، محاولا طرد أصوات الإهانات التي تعرض لها، ومفضلا الموت ألف مرة، على أن يسمع تلك العبارات النابية، الصادرة من سجاني النظام ومحققيه.

واعتقدَ "العم متيش"، في حوار أجراه مع مراسل الأناضول، في العاصمة التركية أنقرة، أن النظام سيكافئه على ما أقدم عليه، من اعتراض على الوضع القائم، وإلباسه تاجًا، لما ذهب إليه، إلا أنه أصيب بخيبة أمل، مثلما تمس كل مواطن تركماني وسوري، جراء ممارسات النظام، التي تراكمت وفجرت ثورة في وجه طغيانه.

وسرد "العم متيش" الأحداث التي عايشها، بدءًا من عام 1998، عندما تعرض التركمان قبل هذا التاريخ بسنتين، إلى الظلم والألم، بعد اعتقال مثقفي التركمان، من أطباء ومهندسين، من قبل قوى أمن النظام، مضيفا أنه خاض معتركًا مع النظام، تنفيسا عن حسرة وحب، تجاه أهله وأقاربه من التركمان، على حد وصفه.

وأوضح أن هذه المحبة جعلته يخوض عدة تجارب، بعد تساؤله بينه وبين نفسه، عن السبب الكامن وراء سجن خيرة شباب التركمان في سجون البعث، على الرغم من أن التركمان أناس بسطاء، يهتمون بمزارعهم وحسب، ولماذا هذا التهميش من قبل النظام لهم، ولما لا يعيرهم أي اهتمام، وهذا ما دفعه إلى خوض معترك مع النظام، حيث كانت المنطقة تواجه عددًا من المشاكل، والتي بلغت مرحلة متقدمة وجب التدخل عليها.

وكشف ان الهدف من صراعه مع النظام كان إنسانيا فقط، لمنعه من استخدام المناطق الحدودية، التي يقيم فيها التركمان كورقة سياسية، ونشر عناصر لجهات مشبوهة، وهم مسلحو منظمة "بي كا كا" الإرهابية، الذين كانوا يحاربون الدولة التركية الشقيقة، على حد وصفه، وهناك اعتقل في المنطقة الحدودية، من قبل عناصر هذه المنظمة، التي كانت تعمل مع النظام بشكل مباشر.

واشار إلى أنه كان يقول لعناصر استخبارات النظام، إنه لا يجوز ان تنشأ دولة داخل دولة، في إشارة إلى نشر عناصر المنظمة الإرهابية في منطقة التركمان، "باير بوجاق"، على الحدود مع تركيا، بهدف الضغط عليها، لتحقيق مطامع النظام السوري.

وأضاف أنه اعتقد بمجرد قوله "لا يجوز إقامة دولة داخل دولة"، أن يتم الإفراج عنه ومكافاته، ووضع تاج على رأسه، وإرساله إلى منزله، إلا أنه تعرض للاعتقال، وعانى من أبشع أنواع التعذيب والإهانات، لافتا إلى أنه اهدافه كانت معينة في كلامه، وكان يريد التحدث في صالح البلاد، لكن المحقق تفاجأ، واستشاط غضبا من كلامه قائلا، "هل أنت فيلسوف لتقول هذا الكلام؟".

وتابع سرد قصته مؤكدا، "المحققون يعتقدون أني إنسان بسيط، ويريدون أن أبقى مهمشًا مقموعًا، لا صوت لي، فتفاجأوا بما أقوله ومن حجم معلوماتي، وهذا ما عرضني إلى تعذيب إضافي، استمر 20 يوما متواصلًا، والضرب على القدمين اللتين ترتجفان حتى هذا اليوم، رغم مرور السنوات، من شدة التعذيب الذي لقيته".

وقال أيضا، "كل ما كنت أقوله لا يصدقونه، بل يريدون أن أقول ما كان مكتوبًا على الورق، وفق ما هم موجهون به، وبعد ذلك نقلونا إلى دمشق، وهناك خضعنا للتحقيق والسجن، حيث مرت سنوات السجن، التي وصلت إلى ست سنوات ونصف السنة، وكل ذلك من دون أي حكم قضائي، لتهمة لم ارتكبها، وكانت لا تشبه الأيام العشرين، من ناحية الضرب والإهانة، كانوا يديرون كل شيء كما يريدون، لا يقبلون أي شيئ نقوله، بل الصدق والحقيقة، ما يعتقدونه هم، ويقولونه، في وقت كنت أرى أهلي وبيتي وعائلتي كل يوم تقريبا في أحلامي".

ولفت إلى أنه عندما سجن، طلب أن يكلم الرئيس آنذاك، حافظ الأسد، هاتفيا ليقول له، ما ذهب إليه من أفكار، وهي إنشاء دولة، للأرهابيين، على حد وصفه، داخل الدولة، لأنهم وفدوا إلى المنطقة، وقضوا مضاجع التركمان، وأوقعوهم ضد بعضهم البعض، على الرغم من أن "منطقة باير بوجاق"، لم تشهد أي مشاكل أو اضطرابات بين التركمان، أو عدم ثقة فيما بينهم، منذ مئات السنسن، بل يعيشون بسعادة، بعد أن زرع هؤلاء فيها، إلا أنه طُلب منه الصمت، وعدم الكلام أكثر، وكأنهم يتعاملون مع راع جاهل، من أقل أصناف المجتمع، يستخفون كثيرا به.

وشرح "العم متيش"، فترة التعذيب، واصفًا إياها بأنها "أصعب الأيام، حيث كانت الشتائم والإهانات، أصعب من الضرب، الذي من الممكن تحمله جسديا، بل هو فخر وعز له، ولكن الشتائم والإهانات بقيت مؤثرة عليه حتى اليوم، وستبقى كذلك حتى الممات"، موضحا أنه "كان يفضل الموت، على سماع هذه الكلمات".

وشدد على أنه "ليس هناك أصعب من تلك الإهانات التي تصل إلى حد العرض، وتناول موضوع النساء، الشتائم التي قد اسردها، قد تبكي الجميع، لأنها تمس العرض والشرف، من قبح ما قالوه، فما دخلهم بالعرض والنساء، ما دخلهم بالنساء والبنات، حيث تفوّهوا بألفاظ نابية لا يمكن نسيانها، ولا يمكن التكلم بها، ولا أرغب بتذكرها، لأنها بعيدة عن الإنسانية بشكل كامل".

وأكد "العم متيش"، أنه يكتب قصائد شعرية، باللغة التركمانية، حسب الأفكار الصادرة من حرقة قلبه المظلوم، على حد تعبيره، حيث لديه ثقافة تاريخية، وأمور وجدانية يفكر بها، ويقوم بتدوينها.

يذكر ان "العم متيش"، ألقى أبياتا شعرية في مؤتمر تركمان سوريا، والتي لامست وجدان وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، على حد وصفه الوزير، بعدما أشار له بأن يلقي الأبيات الشعرية، تقديما لكلمته في المؤتمر، كما لقت صدى من جموع الحاضرين.

يذكر أن منبرتركمان سوريا عقد مؤتمره الثاني نهاية الأسبوع الماضي في العاصمة التركية أنقرة، وأسفر عن انتخب مجلس للتركمان، بحضور رسمي تركي، وبحضور أبرز وجوه المعارضة السورية.

Son Guncelleme: Thursday 4th April 2013 08:34
  • Ziyaret: 15368
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0