هويدي: الأنظمة العربية تدفع الشباب نحو "داعش" وإذا أردنا صرفهم يجب منحهم الأمل
قال المفكر المصري فهمي هويدي إن الأنظمة العربية تدفع الشباب دفعا نحو الانضمام لتنظيم "داعش"، ورأى أنه إذا أرادت هذه الأنظمة صرف الشباب عن هذا التنظيم الإرهابي فـ"يجب أن نقدم لهم أملا"؛ لأنه "لا يمكن أن نضيق الخناق على الناس ثم نطالبهم بحمل أغصان الزيتون".

وفي حوار مطول أجرته معه وكالة الأناضول، طرح هويدي صيغة اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان، نموذجا لحل الأزمة السورية، معتبرا أن الطرف العربي ليس فاعلا في الأزمة السورية، وأن الطرفين الدولي والتركي هما الأكثر تأثيرا.

وفي حين حذر من أن النظام السوري هو أكثر المستفيدين من تنظيم "داعش" الذي صرف الانتباه عن خطورة هذا النظام، قال إن تركيا مدركة أن مكمن الخطورة في بشار الأسد رأس النظام وليس في "داعش".

وفيما يخص الأزمة الراهنة في اليمن، رأى المفكر المصري أن التحرك السعودي في هذه الأزمة جاء متاخرا، داعيا الرياض إلى التحرك بسرعة لمواجهة الحوثيين عبر مساعدة القبائل الموالية لها في اليمن.

كذلك، حذر هويدي من أن تقسيم اليمن بين الشمال والجنوب "أصبح مرجحا الآن"، آملا ألا يدخل في معادلة التقسيم الزيود (المنتمين للمذهب الزيدي) والشوافع (المنتمين للمذهب الشافعي).

ومستشرفا العلاقات بين أنقرة والقاهرة، قال إنه لا يتوقع تغييرا في الموقف الأساسي الذي تبنته تركيا من النظام الحالي في مصر قبيل الانتخابات البرلمانية في تركيا المقررة في يونيو / حزيران المقبل، دون أن يستبعد تغير هذا الموقف بعد الانتخابات، ورأى أنه إذا كانت هناك وساطة سعودية بين القاهرة فستكون لتهدئة التوتر وليس لتطبيع العلاقات.

وبخصوص المصالحة بين السلطات المصرية الحالية وجماعة الإخوان المسلمين، رأى أنها "ليست وارده الآن"، معتبرا أن المبادرة الأهم للتهدئة مع الجماعة ينبغي أن تكون من جانب السلطة. وفي هذا السياق، رأى أنه من المبكر الحديث عن وساطة خليجية للمصالحة بين السلطات في مصر والإخوان؛ فـ"سياسة دول الخليج الآن ليست واحدة".

كذلك، اعتبر أن طرح تشكيل القوة العربية المشتركة من قبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يتم الترحيب به عربيا؛ لأنه هناك إدراك أنه غطاء لدور تريد القاهرة أن تؤديه في ليبيا.

ومتحدثا عن الملف النووي الإيراني، قال إن هناك رغبة من الطرفين الأمريكي والإيراني للوصول لاتفاق، لكن اللوبي الإسرائيلي يعطل ذلك المسار عبر نفوذه في مجلس الشيوخ الأمريكي، لافتا إلى أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات مقابل رفع الحصار الاقتصادي عنها، والرئيس الأمريكي باراك أوباما يريد تحقيق انجازات قبل نهاية فترته الرئاسية الثانية.

لكنه اعتبر أن إيران لا يمكن أن تتخلي عن مشروعها النووي لأن ذلك يعني سقوط النظام فيها، وما يمكن أن يكون مطروحا من قبل طهران هو تأجيل المشروع أو تجميده لبعض الوقت، ومع ذلك توقع ألا يتم الاتفاق الأمريكي الإيراني "سريعا".

وحول شكل التغير في السياسية السعودية بعد وصول الملك سلمان بن عبد العزيز للحكم أواخر شهر يناير / كانون الثاني الماضي، قال إن التحديات التي تواجها السعودية من قبيل "داعش" في الشمال والحوثيين في الجنوب شكلا بعض عوامل هذا التغير، ساردا بعض مظاهره ومن ضمنه رغبة السعودية أن تصبح مصدرا لاحتواء الأزمة في مصر لا أن تكون طرفا فيها.

كما رأى أن تزامن زيارتي السيسي وأردوغان للسعودية "أعطى انطباعا أن الرياض منفتحة على كل من القاهرة وأنقرة، وليست مصطفة مع مصر في مواجهة تركيا".

وفي حال وجود وساطة سعودية بين القاهرة وأنقرة، أعرب عن اعتقاده أنها ستكون لتهدئة التوتر وليس لتطبيع العلاقات، متوقعا أن يقبل الجانب المصري بهذه التهدئة، لافتا إلى أن تركيا مقبلة على انتخابات برلمانية ولا يتوقع منها تغييرا في الموقف الأساسي الذي تبنته من النظام المصري الحالي قبيل هذه الانتخابات، دون أن يستبعد تغير هذا الموقف بعد الانتخابات.

واختتم حواره معتبرا أن موجة الربيع العربي، التي أشعلها الشاب التونسي بوعزيزي عام 2011، لم تنته بعد، وأنها تظهر جليّة في حراك موجود في العالم العربي، لافتا إلى أن الأمور في مصر تبدو وكأنها تعود إلى أجواء ما قبل ثورة 25 يناير / كانون الثاني 2011.

وإلى نص الحوار:

ثمة تغير مهم في السياسة السعودية منذ تولى الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم.. كما كتبت في مقالك "رياح التغيير في السياسة السعودية".. في رأيك ما هي دوافع هذا التغير؟
- تحالفات المملكة العربية السعودية تخضع لاعتبارات، بعضها داخلي في المملكة، وبعضها إقليمي يتعلق بالمحيط الذي تتحرك فيه الرياض؛ فهناك في السعودية ملك جديد ورؤية جديدة وفريق جديد، وهناك تحديان أمام هذا البلد العربي: داعش في الشمال والحوثيين في الجنوب.

أيضا، كانت السعودية طرف في تحالف يضم الامارات التي من المفترض أنها مساندة لمصر وشريك في المعارك التي تخوضها، هذا كله اختلف الآن؛ فقد كانت الرياض طرفا، والآن تريد أن تصبح مصدرا للاحتواء لا أن تدخل في الاستقطاب الموجود.

السعودية تريد أن تتعامل مع مشاكل مصر ليس على أنها مشاكلها، لكن على أنها مشاكل مصرية تتولى المساعدة فيها، شرط ألا يجعل هذا السعودية طرفا في المعارك الموجودة في مصر.

هذه كلها متغيرات مهمة أدت إلى إعادة النظر في سياسات مجلس التعاون الخليجي، وأدت أيضا إلى إعادة النظر في صياغة التحالف المصري السعودي.

هل هناك إشارات حول قيام الرياض بإعادة صياغة تحالفها مع القاهرة؟
- الأمر كان واضحا في تزامن زيارتي الرئيسين (المصري عبد الفتاح) السيسي و (التركي رجب طيب) أردوغان (أواخر فبراير / شباط الماضي)، فالكثيرون صدموا واعتبروا أن هذا لا يمكن أن يحدث؛ لأنه لم يكن ممكنا في السابق (في فترة حكم العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز).

تزامن الزيارتين أعطى انطباعا أن الرياض منفتحة على كل من القاهرة وأنقرة، وأنها ليست مصطفة إلى جانب مصر في مواجهة تركيا، وهذا تغير يستحق الرصد.

وماذا عن موقف مصر إزاء هذا التغير الملموس في السياسية الخارجية السعودية؟
مصر تتصرف كما لو أن السعودية ليست مصطفة إلى جانبها في معاركها، وهذا يمكن أن يساعد السعودية في القيام بأدوار، أبرزها تهدئة الأوضاع بين مصر وكل من قطر وتركيا، وتنتقل من طرف إلى وسيط.

البعض يرى أن أي تقارب مصري تركي لابد أن يمر من بوابة الخليج، وبالتالي فإن الدور المنتظر أكبر من الوساطة؟
- في رأيي، ليس من الضروري أن يمر التقارب المصري التركي من بوابة السعودية؛ فقد حصل تقارب من قبل بين القاهرة وأنقرة ولم يكن عبر الرياض. وفي الوقت الحالي، الأمور أكثر تعقيدا، والعاهل السعودي الجديد ما زال يرتب أوضاعه في الداخل، وبالتالي حتى وإن كانت فكرة الوساطة (السعودية بين مصر وتركيا) واردة أظن أنها لن تكون وساطة تقود إلى تطبيع العلاقات، وإنما تؤدي إلى تهدئة التوتر أو فض الاشتباك إذا جاز التعبير. وإذا نجحت السعودية في فض الاشتباك دون الوصول إلى مرحلة التطبيع؛ فسيكون هذا جيد.

وبرأيك.. هل تقبل مصر بالدور السعودي للوساطة بينها وبين تركيا؟
- الأقرب إلى الاحتمال أن يكون دور السعودية هو المسكن والمهدئ الذي يحول دون تصعيد الاشتباك واستمرار الاحتقان بين الجانبين المصري والتركي. والجانب المصري قد يقبل بالتهدئة؛ فاحتمالية قبول التهدئة أقرب إلى القبول بعودة العلاقات إلى طبيعتها، خصوصا أن تركيا لها موقف أساسي من النظام المصري الحالي. أيضا، تركيا تنتظر انتخابات برلمانية (يونيو / حزيران المقبل) ولا نتوقع منها تغييراً (قبيل هذه الانتخابات) في الموقف الأساسي الذي تبنته إزاء النظام المصري القائم حاليا.

صرح رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو، مؤخرا، بأنه لا يمكن القبول بحبس الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي وبقاء آلاف المعتقلين في السجون المصرية، في الوقت الذي تحدث فيها بإيجابية عن مصر.. فهل تعتبر حديثه يحدد شروط تحسن العلاقات المصرية التركية؟
- أولا: حينما يتحدث رئيس وزراء تركيا عن ملابسات التطبيع، نرى تصريحه عابراً ولا يشكل بالضرورة موقفاً نهائيا. ثانيا: علينا أن نأخذ هذا الحديث في سياقه؛ سياق الموقف والمناسبة.

وأظن أنه من الصعب أن يُقبل هذا (الحديث) من وجهة النظر المصرية؛ كما أنه لا تستطيع مصر مثلا أن ترهن تقدم علاقتها مع تركيا بإفراج الأخيرة عن (عبد الله) أوجلان (زعيم منظمة بي كا كا الإرهابية)، فهذا موضوع متجاوز لحدود المتعارف عليه في صياغة العلاقات بين الدول.

البعض يرى الحديث عن إطلاق سراح مرسي والمعتقلين.. أمر يلزم الديمقراطية في مصر؟
- أفهم أن يتحدث (الجانب التركي) عن الديمقراطية في مصر، لا عن كيف تُطبق الديمقراطية في مصر؟

لكن كما تعلم في السياسة.. دائما ما توجد الموائمات؟
- فكرة الموائمات التي تحكم العلاقات مرهونة بالإرادة السياسية، إذا توافقت الإرادة السياسية يمكن التعامل مع كل التفاصيل، وفي حال لا يوجد إرادة سياسية يصبح الطريق غير ممهد للموائمات. وأذكر هنا حينما سُئل أردوغان قبيل توجهه إلى الرياض: هل ستلتقي الرئيس المصري؟ كان رده هل تمزح معي؟ بمعنى أن هذا الأمر ليس واردا.

لكن البعض يلحظ تغييرا في تصريحات الرئيس التركي عن النظام في مصر منذ 3 يوليو/ حزيران 2013 وحتى الآن؟
- معلوماتي تفيد بأن أردوغان له خصوصية، وإذا كان هناك تغيرا في الموقف، كما يقولون، فما في قلبه ينطق به؛ فهو ينفعل أحيانا؛ وهذا يعطي له جماهيرية بين الناس.

والتصريحات التي يتحدث بها الرئيس التركي عن مصر لا تتفق معها بعض القوى السياسية في تركيا، ومعلوماتي أن هناك أطرافا في القيادة السياسية في تركيا، بما فيها رئيس الوزراء، ترى أنه ينبغي مخاطبة مصر بلغة أهدا.

إذا صح حديثك، فهل سيتغير الوضع عقب الانتخابات البرلمانية التركية؟
- هذا وارد ولا استبعده. أعرف أن الرئيس التركي السابق عبد الله جول عاد إلى تنشيط دوره في حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، وهو مع التهدئة مع مصر وليس تصعيد الاشتباك.

 

بعيدا عن الشأن المصري التركي.. هل تعتقد أن السعودية يمكنها أن ترعى المصالحة الفلسطينية كبديل مؤقت عن مصر؟
- لا بديل عن مصر في العلاقة بين فتح وحماس أو المصالحة الفلسطينية؛ فهي موجودة بأمر الجغرافيا.

في رأيك كيف سيحاور المفاوض المصري حركة سياسية يعتبرها القضاء المصري "إرهابية"؟
- هذه مشكلة صنعتها السياسة، ولا أعرف كيف تُحل.

ما أفهمه أن كان هناك حوارا حول هذا الموضوع، ووجهة النظر المصرية ربطت إعادة الدفء مع حماس بعودة الهدوء إلى سيناء، وهذا مشكلة لحماس؛ لأنها تقول: لا علاقة لنا بأحداث سيناء.

إذن لا يوحد حل من وجهة نظرك؟
- ليس هناك أفق مرئي لحل هذه القضية شأن قضايا أخرى في مصر معروف تعقيداتها؛ فأفق الحل ليس مرئيا لاعتبارات كثيرة منها أن الطرف السياسي الموجود (في مصر) ليس مستوعبا تماما قواعد المفاوضات، وحدود الوساطة.

هل ترى أن العلاقات بين حماس والرياض تسير نحو تحسن مرتقب؟
- هناك إشارات تسمح لحماس بأن تعود إلى علاقات دافئة مع السعودية، وبالتالي قد تسمح للسعودية أن تعود للعب دور الوسيط بين الطرفين مستقبلا، وليس في الوقت الراهن.

تقول إن هناك قضايا أخرى في مصر معروف تعقيداتها ولا يوجد لها حل .. هل ينطبق هذا الطرح على المصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين؟
- حكاية المصالحة مع الإخوان ليست واردة في الأفق، لكن المطروح في الوقت الراهن هو تهدئة؛ بمعنى إطلاق سراح المعتقلين ووقف تنفيذ أحكام الإعدام؛ أي وقف التصعيد. أظن أنه لا يوجد أحد في مصر لا سياسيا أو اجتماعيا مستعد أن يستوعب المصالحة مع الإخوان. وعندما قلت إن العلاقة بين فتح وحماس مستقبلها يدخل ضمن القضايا التي لا أفق لها في المستقبل كنت أقصد قضية الإخوان؛ فأفق الحل ليس مطروحا حتى للمناقشة.

أين يقف الخليج من هذه القضية الآن تحديدا؟ وهل صحيح ما يقال بأن التقارب مع الإخوان يجب أن يمر من بوابة الخليج؟
- من المبكر نوعا ما (الحديث عن وساطة خليجية بين السلطات في مصر وجماعة الإخوان). والخليج الآن ليس شيئا واحدا لكن له مجموعة من السياسات؛ فقطر لها سياسية، والامارات لها سياسة في اتجاه مختلف معاكس، وعمان لها سياسة مستقلة مختلفة، والكويت لها سياسة حذرة، والسعودية سياستها محل مراجعة. إذن لا يوجد موقف خليجي واحد، والخليج نفسه مهدد بخلافاته الداخلية.

كيف قرأت تغيير وزير الداخلية المصري محمد إبراهيم ضمن التعديل الوزاري الأخير، وهو ما لم يتوقعه الكثيرون؟
- تغيير وزير الداخلية في مصر أمر بالغ فيه الكثيرون؛ فهو ليس انقلابا في الداخلية، ولم يقل أحد أن وزير الداخلية كان يرسم سياسة من نفسه، فقد كان ينفذ سياسة دولة، وأنا لا أعول كثيرا على هذا التغيير، ولا أرى أنه يشكل نقلة في السياسة المصرية، لكن اعتقد أنه يمكن أن يشكل أسلوبا أخر في ممارسة السياسة؛ نفس السياسة لكن بشكل أخر.

البعض قرأ تغيير وزير الداخلية المصري على أنه كان مطلباً سعودياً لحلحلة الأوضاع بين القاهرة وأنقرة، أو محاولة لتفادي انتقادات دولية حقوقية للقاهرة؟
- أكرر سياسة وزارة الداخلية لم تكن سياسة محمد ابراهيم، لكنها كانت سياسة حكومة مصر.

هل ترى أن تغير السياسة السعودية حاليا.. نابع من سعي سعودي نحو حشد سني في مواجهة التمدد الإيراني بالمنطقة؟
- أن يتشكل حشد سني في مواجهة التمدد الإيراني فهذا ليس المحرك الرئيسي للعلاقات (بين الرياض وغيرها من الدول).

مثلا أنا أفهم أن الخلاف السياسي بين أنقرة وطهران لم يمنع تطبيع العلاقات الاقتصادية بين البلدين؛ فالتعاون الاقتصادي بينهما لم يتأثر بالخلاف السياسي السني الشيعي أو الخلاف في الموضوع السوري.

لهذا ربما تحرص السعودية على توسيع دائرة التحالف كي تدافع عن نفسها (مصالحها ونفوذها) بحيث تحدث نوع قريب من المعسكر السني، وهذا سيكون أحد عوامل الاحتشاد لكن ليس الهدف الأساسي منه.

هل يشمل التحالف الرئيسي الآن الذي تسعى له الرياض مثلث مصر وتركيا والأردن، أم أنه سيحتاج إلى وجود الولايات المتحدة كطرف أساسي وهو طرح قدمه الكتاب السعوديين وفي مقدمتهم جمال خاشقجي؟
- موضوع الولايات المتحدة مهم في الخطاب السعودي السياسي وربما أيضا بالنسبة لتركيا باعتبارها عضو في حلف الناتو

لكن لا نستطيع ان نتصور ان الولايات المتحدة متحالفة مع السنة لأنها في العراق تحالفت مع النظام الشيعي. وبالتالي دخول الولايات المتحدة كطرف (ليس جديد) فهي طرف موجود كقوة كبرى تعمل مع الطرفين (السني والشيعي). (فكما نرى في الوقت) الذي كانت فيه الولايات المتحدة على علاقات وثيقة بالسعودية فهي في مفاوضات مستمرة مع ايران. الولايات المتحدة منفتحة على الطرفين والمصالح هي الحاكمة وليست المذاهب.

بالانتقال إلى الملف الأمريكي النووي، هل ترى إنجازاً في هذا الملف؟
- من الواضح أن هناك رغبة من الطرفين الإيراني والأمريكي في الوصول إلى اتفاق، هذا هو الموقف المبدئي، وهناك سعي للتمديد (مهلة الوصول إلى اتفاق) ومحاولة لترميم العلاقات للوصول إلى اتفاق، لكن المشكلة الحقيقية تتمثل في ضغوط اللوبي الإسرائيلي عن طريق مجلس الشيوخ الأمريكي الذي يحرص دائما على تفخيخ او تلغيم هذا الاتفاق بما يعطل المسار.

وما أفهمه هو أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات مقابل رفع الحصار الاقتصادي عنها واسترداد أموالها المجمدة في الغرب، وأظن أنها تتجاوز 150 مليار دولار؛ فالشأن الاقتصادي مهم لطهران خاصة في ظل انخفاض أسعار النفط الذي يشكل عبئا ثقيلا على الإيرانيين؛ وبالتالي مشجعا أكبر لهم من أجل التوصل إلى اتفاق لانقاذ الموقف الاقتصادي.

أفهم من ذلك أن إيران قد تتخلى عن مشروعها النووي من أجل تجاوز الأزمة الاقتصادية؟
- لا تستطيع طهران التخلي (عن المشروع النووي)؛ لأن هذا يسقط النظام الإيراني.

هناك صياغات دبلوماسية تسمح للطرف الذي يبادر بالاتفاق ألا يخرج مهزوما أو متنازلا تنازلا كبيرا. وأرى أن طهران ستتحفظ وستحاول أن تثبت أو تراهن على أنها تستخدم مشروعها النووي للأغراض السلمية.

لابد أن يكون هناك صيغة للحفاظ على ماء وجه النظام، وأنا أعلم أن هذا (المشروع النووي) يتم تحت إشراف المرشد (الأعلى للجمهورية الإيرانية) مباشرة، ولا يستطيع المرشد أن يخرج منكسرا؛ لأن هذا يسقط شرعيته أمام الجماهير.

في رأيك ما هي الصيغة الأنسب لإيران في التعامل مع الملف النووي؟
- ممكن التأجيل (للمشروع النووي) أو التجميد أو ممكن في وقت من الأوقات تخصيب اليورانيوم في بلد ثالث، هذه تفاصيل أساسية، لكن المهم أن يكون هناك رغبة وقرار سياسي للتوصل إلى اتفاق.

إيران الآن مستنزفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهذا يشكل عبئا اقتصاديا هائلا على إيران.

هناك طرح بأن الاتفاق الأمريكي الإيراني سيكون مقابل منع إطلاق يد طهران في دمشق وبيروت بما أنها في كل الأحوال مستنزفة هناك؟
- المقابل تحدده ملابسات كثيرة؛ بعضها يتعلق بكم الضغوط التي تتعرض لها إيران، وما هي موازين القوى على الأرض في سوريا، وأعلم أن حزب الله راسخ في لبنان، لكن موازين القوى هناك قابلة للتغير أيضا.

المقابل مسالة تفصيلية متوقفة على الظرف التاريخي والتحولات الحاصلة وموازين القوى على الأرض.

هل تتوقع اتمام الاتفاق الأمريكي الإيراني؟
- لا اتوقع كثيرا أن يتم الاتفاق الأمريكي الإيراني بسرعة رغم أن الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) انجز شيئا مهما مع كوبا، ويريد أن يخرج من ولايته الثانية بإنجازات كبيرة بعدما عجز أن يخرج بشيء في الملف الفلسطيني.

كيف قرأت تحرك السعودية إزاء الأوضاع في اليمن؟ وفي حال نقل الحوار اليمني إلى الرياض هل تتوقع تغير مجرى الأحداث؟
- تحرك الرياض في اليمن جاء متأخرا.

وبخصوص نقل الحوار إلى الرياض فقد رفضته جماعة الحوثيين، وأظنها رافضة أيضا لنقل الحوار إلى عدن (جنوبي اليمن) ولا أعرف كيف ستحل هذه الاشكالية.

إن المسألة ليست فقط في: أين يتم الحوار؟

أظن أن الحوثيين في ورطة كبرى؛ لأنهم أضعف من إدارة دولة، وبالتالي العبء سيكون ثقيلاً على إيران؛ لأنها ستتحمل الكثير من الأعباء ليست فقط الاقتصادية، لكن الإدارية والسياسية أيضا.

هل تقسيم اليمن أصبح مرجحاً الآن؟
- إن تقسيم اليمن على الأقل بين الشمال والجنوب، أصبح مرجحا الآن، وأرجو ألا يدخل في معادلة التقسيم بين الزيود (المنتمين للمذهب الزيدي) والشوافع (المنتمين للمذهب الشافعي).

في رأيك، ما هو التحرك المنتظر من الرياض في الأزمة في اليمن؟
- السعودية لا تستطيع أن تغض الطرف عما يحدث في اليمن، ولها علاقات تاريخية مع القبائل في اليمن، وهي ستكون حاضرة، لكن السؤال: هل سيكون ذلك من خلال السلطة أم من خلال القبائل الموالية لها؟
ليس هناك استبعاد لاحتمال أن تتولى القبائل الاشتباك مع الحوثيين.

وهناك محظور أن وجود الحوثيين وتمددهم وعلاقاتهم مع ايران قد يؤدي إلى توسيع وجود تنظيم القاعدة في اليمن باعتباره الجهة المقاومة ولها اشتباك مذهبي أيضاً مع الحوثيين.

هذا يعني ضرورة تحرك السعودية؟
- يجب أن تتحرك السعودية بسرعة كي تبادر إلى مساندة القبائل بدلاً من تقدم تنظيم القاعدة وتوليه مقاومة الحوثيين في اليمن.

قلت إن إيران ستتحمل الكثير من الأعباء مع الحوثيين في اليمن، هل هذا يرجح انسحاب طهران مؤقتا من المشهد؟
من الصعب بعدما تدخلت وتورطت الى هذا المدى أن تخرج الآن إلا في ضوء اتفاقات، والدور الإيراني ليس كل ما نراه، فهناك أشياء تتم تحت الطاولة.

الأمور في سوريا أيضا ليست هادئة؟
- صحيح فاليمن دولة فقط، وتفاعلات الأزمة فيها ستظل مقصورة على منطقة الجزيرة العربية، لكن تفاعلات الأزمة في سوريا يمكن أن تؤثر على العراق والأردن ولبنان، وبالتالي المقارنة بين أصداء الحراك السوري مختلفة عن الأصداء المتوقعة من المشهد اليمني.

بعد ثلاثة أيام.. تحل الذكرة الرابعة لقيام الثورة السورية، فكيف تقرأ مستقبل رئيس النظام السوري بشار الأسد بعد مرور هذه السنوات الأربعة؟
- إن مستقبل بشار الأسد أصبح مشكلة كبيرة بعد مقتل 200 ألف شخص، وبعدما أغرق البلاد في الدم، فمن الصعب أن يستمر بشار الأسد حاكما لسوريا، كما أن المعارضة لديها مشاكل جعلتها من الصعب أن تهزم الأسد. لكن إذا استطاع طرف أن يجد حلا ستُحل الأزمة.

وما هو حل الأزمة السورية من وجهة نظرك؟
- ربما تشكل صيغة اتفاق الطائف (1989) التي حصلت في لبنان حلا للأزمة السورية.

البعض يرى أن هناك تدليلا للنظام السوري بدعوى محاربة داعش؟
- إن النظام السوري أكثر المستفيدين من "داعش" التي صرفت الانتباه عن خطورة النظام السوري، وأصبح كثيرون مشغولين بأخبارها؛ فممارسات "داعش" والفظائع التي ارتكبتها أقنعت الكثيرين، وخصوصا الأقليات، أن الوضع السوري حتى وإن كان سيئا فعلاً، لكن "داعش" أكثر سوءا، وجعلت هؤلاء يعتبرون شر الأسد أخف من شر "داعش".

هل هذا سيقود إلى التحالف مع الأسد ضد داعش؟
- صحيح أن قوات التحالف (الدولي) تضرب الآن "داعش"، لكن أظن أن تركيا منتبهة أن الخطورة ليست في "داعش" وإنما في الأسد، والحقيقة هناك تفاوت دولي وعربي في هذه الرؤية.

في رأيي: الطرف العربي ليس فاعلا في الموضوع السوري، والأكثر تأثيرا في المشهد السوري هم: المنظومة الدولية والمجتمع الدولي والدور التركي.

إذا كان الدور العربي ليس فاعلاً، فكيف تقرأ إذن طرح تشكيل القوة العربية المشتركة التي دعا لها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؟
- الطرح لم يتم الترحيب به حتى عربيا؛ لأن هناك إدراك بأن العنوان هو قوة عربية ومقاومة إرهاب ومعاهدة تفعيل الدفاع المشترك، وهذا غطاء لدور تريد أن تؤديه القاهرة في ليبيا، وهم يرون ذلك مشكلة مصرية وليست عربية.

كيف ترى مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في مصر؟
- مستقبل الجماعة في مصر مرهون بمستقبل الديمقراطية في مصر، والمبادرة الأهم الآن ينبغي أن تكون من جانب السلطة المصرية، فالجماعة بقياداتها في السجون ولا يوجد تمثيل يمكن للإخوان أن تقوم به في الداخل.

كيف تبدأ هذه المبادرة من وجهة نظرك؟
- لابد أن يبدأ بفض الاشتباك والتهدئة، ولا أقول إعلان هدنة.

هناك جراح كثيرة تتعلق بالمستقبل السياسي (للجماعة) والأعداد الكبيرة المتمثلة في 42 ألف معتقل، وإرث الدماء والضحايا، وغيره، وكل ذلك يحتاج إرادة سياسية للحل، وحوار بين العقلاء وليس المتشددين والمتعصبين.

هل هذه التهدئة واردة؟
- التهدئة ليست واردة، لا يوجد حل في الأفق، المحاكمات (لأعضاء وقيادات وأنصار جماعة الإخوان) مستمرة، الإعدامات مستمرة، مصادرة الأموال مستمرة، يبدو الأفق مسدودا، وهو ما أخشى أن يقود الناس إلى اليأس والمزيد من العنف.

هل تتوقع أن ينتهج الإخوان نهج أنصار بيت المقدس أو داعش وسط هذه الصورة القاتمة؟
- أشك كثيرا في أن يسير الإخوان على نهج أنصار بيت المقدس (جماعة متشددة بايعت داعش وتنشط بصفة رئيسية في منطقة سيناء المصرية)، لكن لا استبعد أن يكون من شباب الإخوان من يعلن تمرده ويأسه ورغبته في الثأر ويخرج عن طوع الجماعة ويبادر بالعنف اعتراضا عن انسداد الأفق، وهو ما فعله أهالي الضحايا في الشيشان.

أين ينتتهي الوضع في ظل تنامي تنظيم "داعش" وانضمام مزيد من الجماعات له، واخرهم بوكو حرام؟
يبدو أن الأنظمة العربية سعيدة بهذا، وتدفع الناس دفعا إلى هذا.

إذا اردنا إصراف الشباب عن "داعش" لابد أن نفتح لهم بابا، ونقدم لهم أملا، فإذا حدث العكس فـ"داعش" هي الحل.

هل يعني هذا أن قائمة المنضمين لـ"داعش" ستطول في ظل استمرار سياسات الأنظمة العربية الحالية؟
لما لا؟ السياسة قد تؤدي لدفع هؤلاء إلى الانضمام لـ"داعش".

لا نستطيع ان نضيق الخناق على الناس، ونطالبهم بالتصرف كعقلاء، ورفع حمائم السلام وأغصان الزيتون.

هل ترى أنه في ظل هذا الوضع.. نحن في انتظار ثورة جديدة في مصر؟
- لا أستطيع أن أحكم على المستقبل البعيد، لكن ما أستطيع قوله هو أن المصريين أصبحوا أكثر انخرطا في السياسة، وبعضهم أصبح على استعداد أن يناضل، الذين يخرجون في المظاهرات بمصر ليسوا كلهم من الإخوان، هناك غاضبون، الأمور اختلفت، وكأننا الآن نعود إلى مرحلة ما قبل 25 يناير (كانون الثاني 2011) مرة أخرى.

وهل أسدل ستار الربيع العربي؟
- الربيع العربي لم ينته؛ فهناك شيء تحرك في العالم العربي. ما حدث ليس كله شر؛ فقد كشف عن أشياء كثيرة يمكن أن تكون مفيدة في المستقبل. فقد قام بتعرية القوى السياسية، وكشف مختلف الأطراف، وحدد ما إذا كانت النخب مع الديمقراطية الحقيقية أم الاستقطاب، والدور الذي يمكن يلعبه الإعلام في التأثير على الجماهير.

 


AA
Son Guncelleme: Friday 13th March 2015 09:33
  • Ziyaret: 3782
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0