إلى أين تتجه تونس؟ 1/ 3

Wednesday 27th June 2012 01:13 Kategori الكتاب


العيد صالحي
salhi.laid01@yahoo.fr


لم تكن إنقلابة التونسيين فرضية منتظرة أو حدث محتمل الوقوع، حسب معرفتنا البسيطة بالشعب التونسي، الذي استطاع نظام الاستقلال تغيير ملامحه الاجتماعية والحضارية بصورة جسدت قدرة الحاكم على فرض الغلبة بصور متعددة، ابتداءا من الشرعية التاريخية لبورقيبة وحزب التجمع الديمقراطي، ووصولا إلى الشرعية البوليسية للرئيس المخلوع "بن علي" ومجموعته التي ارتدت حلة المؤسسة النافذة والمتسلطة في الحياة السياسية والمالية...

غير أن التجربة الحالية للمخاض العسير الذي سبق إقامة الدولة الشعبية، تبين بوضوح أن استثمار الجهة الجماهيري قد يعجل بموت الإرادة النزيهة، وبالتالي خنق أنفاس روح التجديد التي تنبعث من صدور التونسيين.

شعب الدولة أم دولة الشعب:

حينما كتب راشد الغنوشي (زعيم حزب النهضة المحضور) في زمن خلا مقاله الشهير "دولة الشعب أم شعب الدولة، كان من الصعب على الحاكم التونسي استيعاب المعارضة المثقفة والجريئة، خاصة مع غياب الإرادة الجماهيرية الجماعية في توطيد معالم "دولة الشعب" وحداثة سن الاستقلال، بل أكثر من ذلك، تفشي روح الانتهازية والانهزامية لدى شريحة المثقفين وتعاظم دور الحركة الصهيونية على ضفاف البحر المتوسط.

ولأن غياب المؤرخين والمطلعين على "أرواح الشعوب" قد يجعل من الجرأة تهورا، ومن إبداء الرأي تفلسفا نميت جوعا، كان من الصعب على الحركات المخلصة أن تواصل مسارها تحت سطوة الجلاد وشعب الدولة، الذي لا يعي شيئا سوى الانهزام والرضوخ لإملاءات القوي، ولو كانت امرأة "حلاقة" يرفضها الشعب وتفرضها الدولة: دولة سيدي الحاكم واجب الطاعة والولاء، وهو ما جعل من الشعب التونسي يعزل إراديا أولا إراديا إلى متاهات التهميش واللاتاريخ ، بعد أن كان يحظى بسمو القدر وعلو الشأن، كيف لا، وهو منبت مئات العلماء والمشايخ وموطن الجامعات والمعاهد العالمية الشهيرة كالزيتونة وغيرها.

فشعب الدولة يحن تحت سطوة الظالم ويفتح له الطريق ليأخذ منه مكتسباته، وتتحول دولته إلى ملكية فردية أو عائلية للحاكم المستبد، ولو كان عارض أزياء أو بائع هوى.

أما دولة الشعب: فهي صناعة جماهيرية خالصة يحتكرها المواطن ويصنع مقوماتها بصورة جماعية، شعارها القابلية للتعايش " ورفض الموقف الإعلامي الموضوع ورمزها دولة الشعب يصنعها الشعب للشعب.

هل ينجح الغنوشي فيما فشل فيه الترابي:

حين نجحت الحركة الإسلامية في السودان، كأن من العسير التمييز بين رئيس الحركة ورموز السلطة، فكان حسن الترابي ملهم المرجعية الدينية في بلد "الحبشة" هو الشخص الأسطورة قائدة مسيرة "التجديد" (على وزن كتاب "التجديد") في ربوع تلك الديار، لكل نشوة الانتصار لم تدم طويلا لأن قراءة التاريخ غابت كثيرا، فالشعوب التي تصنع الحدث بإرادة جماعية تختلف عن الشعوب التي تسير وراء الطليعة بإرادات اجتهادية منفردة، وهو ما جعل من السودان أكبر الدول الإفريقية مساحة سهلة التطويع خارجيا والانقسام داخليا.

فالحركة الإسلامية في السودان حاولت استيعاب مشهد اجتماعي وحضاري صعب ومتخلف، ويضاف إلى هذين العاملين (الصعوبة والتخلف) أهمية الموقع وتباين الاثنيات الوطنية (جنوب/ شمال) وهو ما أدى إلى التفكك الحالي بين شمال أغلبه مسلم وجنوب معظمه مسيحي.

أما تونس فإن أهم خصائصها: صناعة سلطوية بحته، صنعها هامش الإخلاص المتوفر، وفسحه التكنولوجيا الموجودة، فالتوجه الإسلامي المعروض، موقفه على "الفايس بوك" معروض وهو لا يحتاج إلى التجمهر لإبداء الرأي ولا إلى المسيرات الشعبية لبيان قدرة الاستقطاب والاستيعاب، بل أن التكنولوجيا الحديثة توفر للجميع فرصة البروز وقد تكون الريادة أو الضمور وحينها الاضمحلال أو التلاشي.

وما عايشناه في هذه العجالة التغييرية هو ضعف القابلية للآخر، الذي أبدته بعض الوجوه المحسوبة على النقيض، في صورة شبيهة بموقف بعض الأحزاب المعارضة من انتصار حزب إسلامي في انتخاباتها التشريعية، وكأنها تقول "حكم بن علي وحرمه ليلى" أفضل من حكم البعبع الإسلامي وقائده الغنوشي".

إن رفض البعض للبعض الآخر يحتمل تفسييرين:

أولهما: كون الرافض أقلية والمرفوض أغلبية، وهنا يكون على الثاني واجب فهم الأول، والانسجام مع تطلعاته دون المساس بالثوابت القيمية الشعبية، والإرادة الجماهيرية العامة.

وثانيهما: المرفوض أقلية أمام غلبة الرافض وهو ما يجعل التجديد مطية التغلب على إنفراد الأنا" أمام اجتماع الإرادة الشعبية.

الكسرة والماء والفساد لا:

حين نهض الجزائريون في 05 أكتوبر 1988، كان شعارهم الغالب "كسرة والماء، والشاذلي لا") فكان الجواب على الغضب الشعبي تعددية حزبية غير منتظرة، لشعب متشتت الإرادة، ومغيب الوعي... فكان المسار إلى متاهات العنف السياسي والعسكري، ...فحالة الطوارئ...ثم إلى الاحتقان والتراجع.

وفي تونس وبعد أكثر من عشرين سنة، يهتف الغاضبون "كسوة والماء، وبن علي لا"، ذهب بن علي بما حمل، وجاء الغنوشي، بما وجد وبقي الشعب فاقدا بوصلته الجماعية، إلا شعار الذين سبقوه "كسرة والماء، والفساد لا".

إن الشعوب المقهورة والمظلومة لا تملك أكثر من الصراخ والضجيج، في انتظار النخبة المتفتحة والواعية، المهيكلة بشكل تلقائي في مسار الحاثة والتطور، دون تغييب القيم الأصيلة للشعب، ودون الخوض في متاهات المستحيل، لأن الشعوب لا تؤمن – أبدا- بالممكن بل إنها تؤمن دوما - بالموجود والواقعي، لذلك لا يمكن للمعارضة الناشئة وضع برنامج دون النزول إلى ميدان الصراع والمعاناة.

ولأن الجزائريين استوعبوا أن اليد الواحدة لا تصفق، وأن الإشاعة تصنع الرأي العام، في حالة غياب الوعي الجماهيري الجماعي، وعدم امتلاك وسائل الإعلام كما أن توجيه Manipulation لإرادة العامة يمكن أن يتأتى من خلال مخابر المصالح المتخصصة، خارجيا وداخليا من خلال السياسة الخبيثة للخارجية الفرنسية والعمالة القديمة لبعض الوجوه المعروفة ، وداخليا من خلال (ضعفه الإرادة الفردية) أمام التخوفات التي قد تخلقها الفوضى الناشئة أو المنشأة.

أولويات الحصاد التونسي:

لقد كان من الصعب على البعض استيعاب أبجديات العمل السياسي والمالي، خاصة بعد إقدام الغنونشي (رئيس الحكومة المؤقتة) على صرف مبالغ مالية ضخمة في حضور مسيرات رافضة للوجوه القديمة، لكنها عاجزة على إيجاد حلول بديلة وبدائل......( يتبع)

الأستاذ: العيد صالحي

أستاذ القانون الدستوري

جامعة سعد دحلب - البليدة


Son Guncelleme: Wednesday 27th June 2012 01:13
  • Ziyaret: 13370
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 1 0

Yazarın Diğer Yazıları


الأزمة السورية وظاهرة الإمتداد القومي العربي
الدولة القومية و انكماش مفهوم المجال المحفوظ
الربيع العربي . . . و حصاد الإخوان المسلمين
!ما حكم "دولة" تخشى شعبها؟
السيرة الذاتية