مغاربة يدفعون الفقر بعربات متنقلة
العربات المتنقلة للباعة الجائلين في المغرب وسيلة للعيش وإعالة الأسرة "خيراً من البطالة والحاجة"

سارة آيت خرصة

الرباط - الأناضول

يرتب بعناية بضاعته المرصوصة فوق عربته المتنقلة، يُعدد هامساً الشوارع التي سيسلكها خلال تجواله بين أحياء العاصمة هذا اليوم، دون أن ينسى العودة إلى زقاق استطاع أن يكسب فيه بعض الزبائن الأوفياء أمس.

"لم أختر بمحض إرادتي هذه المهنة (بائع خضروات متجول)، لكن كانت الخيار الوحيد أمامي بدلاً من أن أستمر عاطلا عن العمل'' يقول عثمان (36 سنة) وقد انحنى على مضض ليدفع عربته المركونة في زاوية منعزلة أمام باب منزله، استعدادا للانطلاق في جولته الصباحية المعتادة.

تكسر صيحات عثمان هدوء "حي القامرة" على أطراف مدينة الرباط، يجوب الشارع ذهابا وإيابا، عارضا الخضر والفواكه، وقد رسم التعب على عينيه بقعاً سوداء داكنة، وغدى سواد سترته أقرب للبياض بفعل أشعة الشمس التي يقضي تحتها معظم يومه متجولا برفقة عربته.

"لن أتمكن من إعالة أسرتي دون عربتي المتنقلة هذه، ودونها لن أستطيع الحصول على قوت يومي" يضيف "عثمان" وهو أب لثلاثة أطفال، ويقول إنه يضاعف مدة عمله لتمتد أحيانا إلى ساعات متأخرة من الليل، حينما يقترب موعد الدخول المدرسي أو أسابيعا قبل عيد الأضحى، حتى يتمكن من سد حاجيات أسرته، فطبيعة عمله لا توفر له دخلا يستطيع من خلاله مسايرة إيقاع المصاريف المرتفع.

سنوات عمله الثلاث كبائع متجول، جعلت عثمان يألف العمل تحت حر الشمس القائظ، ولسعات البرد القارسة، كما وجد في تجواله في الأزقة لبيع الخضر نهاية للمضايقات الدائمة التي يتعرض لها من أصحاب المحال التجارية. فعثمان وعربته يعدان منافسين لأصحاب المحال في سوق الخضار، والذين يؤدون الضرائب ولديهم تراخيص قانونية.

"يزاول الباعة الجائلون عملهم دون غطاء قانوني، ودون أداء الضرائب وفي المقابل يحصلون على مداخيل تعادل تلك التي نحصل عليها" يقول محمد صاحب محل لبيع الخضروات بسوق القامرة الشعبي بالرباط بنبرة احتجاج.

وتقول التقارير الاقتصادية إن ظاهرة "الباعة المتجولين" تمثل أحد أشكال الاقتصاد غير المهيكل، الذي يؤثر على تنافسية الاقتصاد المغربي وينعكس سلبا على تطور نموه. ويعد ارتفاع معدلات الهجرة القروية إلى المدينة أحد الأسباب المباشرة لتفاقم الظاهرة، فأغلب الوافدين على المدن يمتهنون حرفا هامشية غير مهيكلة لايتوفر أصحابها على تغطية صحية أو شروط للسلامة .

كما يعزو المحللون انتشار ظاهرة الباعة المتجولين إلى ارتفاع معدلات البطالة، التي بلغت نسبتها حسب آخر إحصائية للبنك الدولي 30 في المائة في صفوف الشباب( 15-29 سنة)، فهي مهنة يلتجأ إليها أولئك الذين يعيشون على الهامش، حيث الفقر والعوز، وصعوبة تحصيل لقمة العيش، فخلف كل عربة متنقلة تشق طريقها عبر شوارع المدينة، قصة يصارع صاحبها صعوبات الحياة ومتطلباتها المتزايدة.

أما في الشارع الذي تكدست داخله عشرات العربات، واستوطنه الباعة المتجولون فصار شبيها بالسوق الذي لا يبعد عنه سوى بأمتار، فيقبل الناس على اقتناء حاجاتهم، كدأبهم كل يوم، "هنا الأسعار منخفضة بالمقارنة مع الأسواق، وأجد فيه كل ما احتاجه" تقول فاطمة (25سنة) تقطن أحد المنازل بالقرب من سوق الباعة المتجولين.

وغير بعيد عن سوق الخضر، افترش أحمد (55 سنة) الرصيف عارضًا سلسلة من الكتب تنوعت بين الديني والثقافي وأخرى لطبعات قديمة لكتب سياسية، بعضها بالعربية وأخرى بالفرنسية، وبالقرب من مكان العرض، تربض عربة متنقلة تختلف بشكل واضح عن تلك التي يبيع عليها "عثمان" خضرواته، وقد تفانى صاحبها في تزينها لتبدو أكثر نظافة وترتيبا.

"ظروف عائلية قاهرة حالت دوني وإكمال الدراسة، ودفعت بي في سن مبكرة للخروج إلى العمل، في البداية اقتصرت على بيع مناديل ورقية متجولا بين الأزقة، وبعد أن تحسنت وضعيتي المادية، قررت أن أبيع الكتب القديمة على عربتي المتنقلة " يقول أحمد (55سنة) وقد انتهى للتو من سجال مع أحد الزبائن، محاولا إقناعه بجودة الكتاب وعمق مضمونه، وهزالة ثمنه بالمقارنة مع سعره في المكتبات.

مكتبة متنقلة يجول بها أحمد بعض الشوارع والأزقة، وحين يتعب من طول المسير، يفترش فيما تبقى من يوم عمله الطويل الرصيف ويرص عليه كتبه، فمكتبته المتنقلة تستقر كل يوم في مكان جديد.

مهنة أحمد على تواضع المداخيل التي تدرها عليه، لكنها حسب ما يروي تجعل منه بائعا متجولا غير اعتيادي، ففي انتظار عابر يستوقفه عنوان كتاب أو باحث عن اسم كاتب معين، يجزي أحمد ساعات يومه في مطالعة بعض الكتب التي يعرضها على الرصيف.

ينهي عثمان (بائع الخضروات) جولته في بعض الأحياء الشعبية بالرباط، ويقضي ما تبقى من ساعات ما بعد غروب الشمس في سوق "حي القامرة الشعبي"، أما أحمد (بائع الكتب المتجول) فمع مغيب الشمس يبدأ في تكديس كتب مكتبته المتنقلة داخل العربة استعدادا للمغادرة، وكلاهما - على حد قولهما - لم يحصد بعد يوم طويل من العمل سوى ما يكفيه لسداد حاجيات يومه البسيطة.

Son Guncelleme: Monday 22nd October 2012 09:50
  • Ziyaret: 18393
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0