بين الشظايا والحطام..كلمة "ماما" تاهت من "عبود"
عند سماع القصف، هرع نعيم نحو أطفاله، فوجد زوجته تحمل "عبود" ووجه قد امتلئ بالدم النافر من فمه وأنفه، وهنا أدرك بخبرته الطبية أنه قد فارق الحياة.

نور أبو عيشة

غزة - الأناضول

بعد ثمانية أيام من العمل المتواصل في إنقاذ الجرحى، نجح الطبيب مجدي نعيم أن يختلس قسطا من الراحة في منزله الكائن بحي الرمال وسط مدينة غزة.

لكنه لم يتخيل أنه في هذه اللحظات القليلة، سيضطر لاحتضان جثمان طفله الصغير المدلل "عبد الرحمن" (ابن العامين) بين يديه، ويشيعه بنفسه إلى ثلاجة الموتى.

الطبيب نعيم، مشهور بكونه طبيب ماهر، يعمل في مستشفى الشفاء الرئيسي بمدينة غزة، وساهم بانقاذ الكثير من الجرحى خلال العدوان على غزة.

لكنه لم يتمكن من إنقاذ أصغر أبناءه "عبدالرحمن"، الذي اعتاد أن يناديه بـ "عبود".

وكانت اسرائيل قد قصفت مكتبا صحفيا في بناية مجاورة لمنزل الطبيب نعيم، في اليوم الأخير للعدوان، ما أدى إلى مقتل "عبود"، وجرح أشقائه.

عند سماع القصف، هرع نعيم نحو أطفاله، فوجد زوجته تحمل "عبود" ووجه قد امتلئ بالدم النافر من فمه وأنفه، وهنا أدرك بخبرته الطبية أنه قد فارق الحياة.

فقد توفى الطفل في حضنِ أمّه، بعد أن سبب له صوت الانفجار القوي وضغطه، انفجاراً في الأوعية الدموية وتكسراً في الجمجمة.

أو كما وصفه له الأطباء، أن حالة طفله بدت كما لو كان هناك من رفعه عالياً ثم ألقاه على الحائط.

الطفل عبد الرحمن، أو عبود كما يناديه ذووه، كان مستمتعاً في اللعب مع ابن عمه الرضيع، محاولا إضحاكه، ولم يكن يعلم أن هذه الضحكات ستكون آخر ما يسمعه في هذه الدنيا.

بعد بكاء، وأنين، تمكنت والدة عبد الرحمن من الحديث لمراسلة وكالة "الاناضول" قائلة: "كنا نعمل في المطبخ عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية برج نعمة القريب من منزلنا، هرعنا جميعا إلى مكان وجود الاطفال، فرأيت ابني ..حبيبي.. ملقاً على الأرضِ".

وأضافت: "في البداية اعتقدت أنه نائما، حيث كان يخبئ وجهه بالفرشة، وهرعنا إلى ابن عمّه والذي أصيب بشظايا في الصدر تحت قلبه، واطمأننت لأن طفلي كان نائما –كما اعتقدت".

لكن هدوء عبد الرحمن أفزع أمّه، فهو الذي يركض ويختبئ في حضنها بعد سماعه أصوات الإنفجارات، ذهبت لتحمله برفقٍ، فما إن أدارت وجهه نحوها حتى كانت الصاعقة.

فكان وجهه "البرئ" موشحاً بالدم، بدا كما لو كان يحاول أن ينطق كلمة "ماما" قبل وداعهم الأخير، إلا أن الأقدار شاءت أن يذهب بعيداً دون أن ينطقها.

ضمته الأم إلى صدرها، وأخذت تبكي وتنتحب..أما أخته الكبيرة "نور" فخرجت من المنزل آخذة بالصراخ والبكاء.

قالت شقيقته نور لـ"الأناضول": "عندما رأيت المشهد لم أتمالك أعصابي، هربتُ من المنزل وبدأت بالصراخ"، مشيرةً إلى أنها تفاجئت من تماسك والده بعد أن رأى طفله فاقد الحياة، فقد هرع لإنقاذ ابن أخيه الذي كان في حالة خطرة.

"فهذه هي نفسية الطبيب والمسعف، لا تأسره المشاعر ولا تقيده، فالمهم إنقاذ الكم الأكبر من الأرواح".. قالت نور.

أم عبد الرحمن كانت تشعر قبل مقتل طفلها، بأن أجله قد اقترب، فقد كانت تصرّ على مكوثه بجانبها دوماً، بحسب روايتها.

وأضافت :" الحمد الله على كل شيء، هذا الطفل جاءنا كالفاكهة، فرحنا عليه سنتين، ورحل عنا وراح يضمن لنا الجنة باذن الله".

Son Guncelleme: Tuesday 27th November 2012 09:13
  • Ziyaret: 15654
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0