قوش.. رجل المخابرات السوداني "المنقلب" على نظامه
كان حليفًا للبشير ثم عمل مع وكالة الاستخبارات الأمريكية في مهام بعيدًا عن إشراف حكومته قبل أن يتم اعتقاله والإعلان رسميًّا عن مشاركته في محاولة الانقلاب.

محمد الخاتم

الخرطوم- الأناضول

سجّل اتهام السلطات السودانية لمدير المخابرات السابق الفريق صلاح قوش بالمشاركة في محاولة انقلاب على نظام حكم الرئيس عمر البشير، أمس الخميس، آخر حلقة في مسيرة الرجل المثيرة للجدل منذ أن أقاله البشير من منصبه عام 2009 دون الإعلان عن أية أسباب.

ونصّ القرار يومها على تعيين قوش مستشارًا أمنيًّا للرئيس، وهو المنصب الذي مكث فيه دون نشاط يذكر حتى أبريل/نيسان 2011 حيث صدر قرار رئاسي آخر بإقالته قبل أقل من سنتين، وبذات الطريقة دون الإعلان عن أسباب.

وأعلن وزير الإعلام أحمد بلال أن الأجهزة الأمنية اعتقلت 13 من ضباط الجيش وجهاز الأمن والمخابرات وعناصر مدنية "لتورّطهم" في محاولة انقلابية تم إحباطها فجر أمس الخميس.

وأضاف بلال، في مؤتمر صحفي، أن أبرز المعتقلين هم: مدير جهاز المخابرات السابق الفريق صلاح قوش، وقائد الحرس الرئاسي الأسبق اللواء محمد إبراهيم الشهير بـ"ود إبراهيم".

وأهمية قوش تنبع من المناصب التي تقلدها منذ دراسته الجامعية بجامعة الخرطوم، حيث كان مسؤولاً عن جهاز المعلومات الخاص بتنظيم الإخوان المسلمين الذي كان أقوى تنظيم في الجامعة في العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي وسيطر على معظم اتحادات الطلاب.

ونبوغه في العمل الاستخباري وجمع المعلومات وتحليلها كما يقول متابعوه كان سببًا في التحاقه بجهاز المخابرات الذي أسسه الإسلاميون بزعامة حسن الترابي عقب الانقلاب العسكري الذي أوصل الرئيس عمر البشير إلى السلطة في العام 1989 .

وينحدر الرجل من قبيلة الشايقية، وهي من أكبر القبائل السودانية وأكبرها نفوذًا، حيث ولد بقرية البلل بشمال البلاد في معقل قبيلته، وعاش صباه في مدينة بورتسودان شرقي السودان بعد أن استقرت بها أسرته، ودرس بها المرحلة الثانوية التي التحق خلالها بالإسلاميين.

وقوش هو أستاذ رياضيات، عرف بالذكاء الخارق، وكان يدرّس بكلية الهندسة بجامعة الخرطوم.

تدرّج قوش في جهاز المخابرات حتى وصل منصب نائب مدير العمليات، وفي العام 1996 غادر منصبه مع عدد من ضباط الجهاز على خلفية اتهامهم بالتخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك.

ونظرًا للخلفية الهندسية لقوش تم تعيينه مديرًا لمصنع اليرموك الحربي الذي اتهمت الخرطوم إسرائيل بقصفه أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وعندما اختلف البشير مع زعيم الإسلاميين حسن الترابي في العام 1999 وأسس الأخير حزب المؤتمر الشعبي المعارض انحاز قوش للبشير.

وبحسب خبراء فإنه لعب الدور المحوري في القضاء على وجود أنصار الترابي في جهاز الدولة، خاصة الأجهزة النظامية، وذلك بحكم صلته بالترابي واطلاعه مسبقًا على أغلب أسراره.

وكثيرا ما شكت بعض أحزاب المعارضة مما اعتبرته فظاظة ووحشية مطلقة في تعامل قوش مع كوادرها بعد أن تركزت السلطات في يده، وتحوّل جهاز الأمن في عهده إلى دولة داخل دولة، وتمدد في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والرياضية وصار جهاز الأمن بمثابة الجهاز التنفيذي للدولة بدلا عن مجلس الوزراء، على حد قول بعض أطراف المعارضة.

وقال أحد الإسلاميين المقربين منه لمراسل وكالة الأناضول إن السبب الأساسي لـ"تغوّل" جهاز الأمن على الجهاز التنفيذي يعود إلى الثقة المطلقة التي كان يوليها البشير إلى قوش، خصوصًا بعد نجاحه في إضعاف حزب الترابي والكشف عن كثير من مخططاته.

وأشرف قوش أكثر من مرة بصورة شخصية على اعتقال الترابي وقيادات حزبه بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري.

إلا أن العلامة الأبرز في مسيرة صلاح قوش هي تعامله الكبير مع جهاز المخابرات الأمريكي (CIA) في مكافحة "الإرهاب" في ذات الوقت الذي كانت تضع فيه واشنطن السودان في قائمة الدول الراعية لـ"الإرهاب"؛ وهو الأمر الذي كان يقابل على الدوام باعتراضات قوية من قادة حكوميين كان آخرها انتقاد وزير الخارجية على كرتي الشهر الماضي للخطوة عندما قال إن التعاون الاستخباري تم بمعزل عن بقية مؤسسات الدولة.

وذكر الكاتب السوداني المقيم في أمريكا، فتحي الضوء، مؤلف كتاب "الخندق" الذي تحدث فيه عن كثير مما يدور في جهاز الأمن السوداني، أن قوش سلم كثيرًا من قادة الحركات الإسلامية على مستوى العالم للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من إبعاد السودان لزعيم القاعدة أسامة بن لادن من أراضيه في عام 1996، إلا أن قوش لم يكن مسؤولا وقتها عن الخطوة بحكم منصبه.

وعقب إقالة قوش من جهاز الأمن، ذكر "الضوء" في مقال صحفي أن صديقة أمريكية له قريبة من دوائر اتخاذ القرار أخبرته عقب زيارة قوش الشهيرة إلى "لانغلي" معقل الـ (CIA) أن قوش سيكون الرئيس القادم للسودان؛ لأن (كل رؤساء عالمكم التعيس مروا من هنا)، وذلك في معرض تناوله للشائعات القوية التي أرجعت إقالته إلى تورطه في محاولة انقلابية على البشير بدعم أمريكي، وهي ذات الشائعات التي تم تداولها عقب إقالته من مستشارية الأمن.

وعلى الرغم من اتساع رقعة الشائعات منذ ذلك الوقت لم يصدر أي تعليق رسمي عليها حتى ظهر أمس الخميس، عندما أعلنت الخرطوم رسميًّا اعتقاله ضمن 13 من ضباط الجيش والأمن بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري، وهي المرة الأولى التي يعتقل فيها قوش، ويتم الإعلان عنها؛ حيث ترددت أكثر من مرة خلال العامين الماضيين أنباء عن اعتقاله أو وضعه رهن الإقامة الجبرية بمنزله لم تعلق عليها السلطات نفيًا أو إيجابًا.

وفي الانتخابات العامة التي أجريت في عام 2010 ورفضت المعارضة الاعتراف بنتيجتها انتخب قوش نائبًا عن دائرة مروي – كريمة بالبرلمان، لكنه اختفى من المشهد السياسي عقب إقالته من مستشارية الأمن في العام الماضي وعزله من منصب أمين الفئات بالحزب الحاكم، مكتفيا بتأسيس عدد من المشاريع الاستثمارية برأس مال كبير.

وفي حال تمكنت النيابة المختصة من جمع الأدلة اللازمة فإن الحصانة البرلمانية سترفع عنه تمهيدًا لمحاكمته، وفي حال تمت إدانته فإن مصيره موزع ما بين الشنق أو الرمي بالرصاص طبقا للقانون السوداني.

Son Guncelleme: Friday 23rd November 2012 09:43
  • Ziyaret: 34723
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0