سجون لبنان.. "براميل بارود"
اكتظاظ وتمرد ومحاولات فرار ونقص في عناصر الأمن وغياب للبعد الإصلاحي.. ودعوات إلى خصخصة السجون وتحويلها إلى منشآت استثمارية منتجة اقتداءً بالتجارب الأمريكية والأوروبية.

بولا أسطيح

بيروت - الأناضول

تُجمع المصادر السياسية والقضائية والأمنية في لبنان على أن أزمة السجون اللبنانية باتت "أشبه ببرميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة"، وأن الحلّ الحاسم لهذا الملف يحتاج أموالاً طائلة تعجز خزينة الدولة حاليًا عن توفيرها، معتبرة أن القضية ليست ضمن أولويات السلطة "الغارقة في ملفات سياسية واقتصادية شائكة".

وبحسب قول مسؤول أمني معني بقضية السجون، لمراسلة وكالة "الأناضول" للأنباء، فإن "ملف السجون له ثلاثة أبعاد، أولها البعد السياسي والقانوني الذي بدأ بنقل إدارة السجون من عهدة وزارة الداخلية إلى العدل، رغم أن الأخيرة لم يتوفر لديها حتى الآن الكوادر البشرية والتنظيمية لمعالجة هذا الملف، وكذلك عدم توافر الجهاز المتخصص في إدارة السجون من الداخل، إذ يقتصر دور الأمن على حماية المباني من الخارج، وتوفير المواكبة عند نقل السجناء من السجون إلى المحاكم".

والبعد الثاني، وفقا للمصدر، هو بعد "أمني"، حيث إن "عدد عناصر الأمن المكلفة بإدارة السجون من الداخل وحمايتها من الخارج، وتولي نقل السجناء من أماكن التوقيف إلى قصور العدل والمحاكم، أقل من الأعداد المطلوبة لمثل هذه المهمات الخطيرة".

أما البعد الأخير، فهو "بعد لوجستي وتقني لا تتوافر مواصفاته بالحدود الدنيا، فسجون لبنان، بما فيها سجن (روميه) المركزي، لا تتمتع بالمواصفات التي تتمتع بها سجون الدول المتقدمة، أو حتى تلك الموجودة ببعض الدول العربية، مثل دول الخليج"، بحسب المصدر.

ويشير المصدر، الذي رفض نشر اسمه لحساسية منصبه، إلى أن "أحدث سجن في لبنان هو سجن روميه الذي يزيد عمره على خمسين عامًا، وهو أكبر سجن لبناني، جرى بناؤه ليستوعب 1200 سجين وموقوف كحدٍ أقصى، لكن نزلاءه اليوم يزيد عددهم عن الأربعة آلاف". ويوجد في لبنان قرابة 22 سجنًا.

ويمضى قائلا إن "هذا السجن أفضل حالاً من بقية السجون الموجودة في الشمال والجنوب والبقاع، إذ تفتقر، في معظمها، للشروط الصحية والعامل الإصلاحي للسجين المعني بتحويله من عالة على المجتمع إلى إنسان منتج صالح للتأقلم مع محيطه بعد خروجه من السجن".

ويحذّر من أن "الاكتظاظ في سجن روميه والاضطرار لوضع أعداد كبيرة من الموقوفين والمحكومين في زنزانة واحدة يشجّع هؤلاء على تشكيل خلايا تمرد، ترفض أحيانا تنفيذ تعليمات العناصر الأمنية المكلفة بحمايتهم".

"كما يغريهم هذا الاكتظاظ على التعاون في ابتكار أساليب متعددة للفرار مثلما حدث مرارًا، فيما أحبط رجال الأمن مؤخرا محاولات لو نجحت لأحدثت مشكلة كبيرة، لا سيما بعد اكتشاف حفر نفق يبدأ بعد مئات الأمتار من سور السجن ليصل إلى أسفله، في محاولة لتهريب كل موقوفي جماعة (فتح الإسلام) وآخرين"، وفقا للمصدر الأمني المسؤول.

ويختلف القاضي عمر الناطور، المدير العام لوزارة العدل، مع سابقه قائلا، في تصريح لـ"الأناضول": إن "الخطوة الأولى لإصلاح السجون بدأت بنقل مسؤوليتها إلى عهدة وزارة العدل".

الناطور يوضح أن "الوزارة شكلت لجنة من القضاة لدراسة ملف السجون، واطلعت على الخبرات الأمريكية والفرنسية، لنقلها للبنان، وإن استغرق الأمر بعض الوقت".

ويشدد على أن "هناك الكثير من الاقتراحات والدراسات قيد البحث، لا سيما وأن هناك هيئات دولية، مثل الاتحاد الأوروبي وغيره، ستساعد لبنان في هذا الشأن".

ويقدم رياض أبو غيدا، قاضي التحقيق العسكري الأول بلبنان، مقاربة مختلفة عن المعالجات المطروحة، انطلاقاً من تجربته القضائية والتحقيقات التي أجراها في ملفات فرار سجناء كثر من سجن روميه، واطلاعه المباشر على معالجات متقدمة، في أستراليا وبريطانيا وفرنسا وجنوب أفريقيا ودول عربية، حوّلت السجون إلى منشآت استثمارية ذات مردود مالي واقتصادي على المستثمر وعلى السجين أيضا.

أبو غيدا يستشهد بموجة خصخصة السجون، التي بدأت في الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا، منذ عام 2004، وكذلك في السعودية.

وتعقد هذه الدول مؤتمرات دورية لإيجاد حلول لأزمات السجون والاكتظاظ والفوضى، عبر خصخصتها في مشاريع استثمارية مربحة ومنتجة، وذلك بإشراك القطاع الخاص في بناء السجون وصيانتها وتدريب السجناء وتشغيلهم وبيع منتجاتهم خارج السجن؛ بما يؤمن راتبًا شهريًّا للسجين يغطي مصاريفه داخل السجن، بل وينفق منه على عائلته أيضا.

أما جانين قاصوف، مندوبة الأحداث (مندوبة اجتماعية تحضر محاكمات الأحداث)، فتشير، إلى أن "هناك مشروعًا يتعلق بنقل السجناء والموقوفين الأحداث (من هم دون الثامنة عشرة من عمرهم) إلى مبنى خاص، عبارة عن إصلاحية وليس سجنًا".

وترى قاصوف، في حديث لوكالة "الأناضول"، لهذا الأمر "وجهين إيجابيين، أولهما نقل الأحداث من سجن روميه؛ ما يعني تخفيف الاكتظاظ نسبيًّا، وأخيرًا أنه يُخرج الأحداث من فكرة السجن والعقاب، إلى مركز إصلاحي وتأهيلي يعيدهم أناسًا متعلمين وعاملين، بحيث تكون الإصلاحية أقرب إلى مدرسة تعليمية ومهنية لتنمية قدرات الموقوف الحدث".

Son Guncelleme: Thursday 21st February 2013 10:00
  • Ziyaret: 5797
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0