يجعلون الله انسانا وقائدهم الها

Sunday 14th October 2012 08:43 Kategori الكتاب


مصطفى معلم
m.muallim@dunyatimes.com


يلاحظ المتابع لمسيرة المتدينين والملحدين أن المتدينيين في غالبيتهم الساحقة إما يهود أو مسلمين وفي الوقت ذاته يلاحظ أن الملحدين في غالبيتهم الساحقة من المسيحيين كما يلاحظ أن المتدينيين المسلمين في جُلهم يتمسكون بمفهوم القائد التاريخي ويرفضون بعناد مفاهيم مثل الحرية الفردية في كل شيء واليمقراطية والحوار إلخ ....من المفاهيم التي يعتبرونها أفكاراً دخيلة لاغاية من إدخالها سوى الإساءة إلى الشعوب المتدينة والأمر يبدو أكثر غرابة إذا عرفنا أنه حتى من يدٌعون العلمانية من أبناء هذه المجتمعات في حقيقتهم العميقة يربض ديكتاتور ما أن يفسح له في المجال كي يظهر حتى تراه خارجأ معبراً عن نفسه بعنف مخيف

نرى أنه في المجتمعات المسيحية العلماني أو الملحد هو كذلك فعلاً لايلف ولايناور ويعبر عن ذاته ببساطة مدهشة بل ويدافع عن إنتمائه دون خوف من سلطة أو وجل من مجتمع

اليهود لم يأنسنوا الإله ولكنهم تمسكوا بالدين على الرغم من علمانية قادتهم بسبب أن الفكرة الدينية التي تقول أنهم شعب الله المختار فرضت عليهم عدم القيام بالتبشير وإكتفوا بمن يولدوا للأمهات يهوديات ولذلك تراهم ديقراطيين وأحرار ويقبلون التطور الإجتماعي في هذا العالم ولم يكن لهم سوى قضية واحدة هي بناء دولة خاصة بهم والعمل على حمايتها بكل الوسائل المتاحة

أما المسلمين فعدم أنسنة الإله في شريعتهم جعلتهم يضعونه في حالة من التجريد لدرجة أن هذا التجريد جعل المتابع لمفهوم الله لديهم يخرج بنتيجة مفادها أن هذا الإله لاوجود له فأخذوا في تأليه قادتهم كحالة تعويضية عن حالة أنسنة الإله التي لم يقبلوها في شريعتهم ولم يستطيوا التخلي عنها كفكرة لأنها من مكونات لاوعيهم الجمعي

أما في المسيحية فإن فكرة أنسنة الإله كانت واضحة وجلية ولالبس فيها بل ومُفاخر بها إذ أن المسيح هو نفسه الله إبن الله ولاحاجة لأن يبحث الإنسان عن إلهه فهو في المسيحية بين عباده فادياً لهم ومخلصاً دون واسطة أو وحي أو ...مما جعل نفس المسيحي نفساً مطمئنة هادئة لايخيفها الآتي المجهول عن طريق السماء

في المسيحية لاحاجة لحاكم وكيل على الأرض (أعط ما لقيصر لقيصر وأعط ما لله لله ) فكانت هي القاعدة الذهبية التي جعلت الإنسان المسيحي يبتعد في فكره عن تبني فكرة القائد التاريخي الذي هو في حقيقته وكيل الله (ولي الأمر)في الأرض والتي يتبناها المسلمون

أما في الإسلام فإن الله المجرد تجريداً يوحي بعدم وجوده فإن الإنسان المسلم يحتاج لمن يعوض عن فكرة أنسنة الإله فكانت فكرة القائد التاريخي والتي ذهبت بالمسلم إلى فكرة عبادة الفرد وما أن يضعف هذا الفرد حتى يتم الإنقضاض عليه بكل وحشية ودون رحمة أليس هو وكيل الله الذي لم يكن عادلاً والقادم بعده هو الوكيل الذي يؤمل أن يكون عادلاً لكن المهم أنه سيصبح قائداً تاريخي أليس العرب الذين أصبحوا فيما بعد مسلمين هم من كانوا يعبدون آلهة من تمر إن جاعوا أكلوها ؟

إن الملحد المسيحي هو إنسان يرفض الإيمان بإله تم إختباره عيانياً أما الملحد المسلم فهو ملحد يرفض إلهاً لم يعرف عنه شيئاً وبالتالي تبقى جذور الخوف منه كامنة في أعماق هذا الملحد القادم من بيئة إسلامية فينحو بإتجاه إرضاء ذاته عن طريق خلق إله إنساني هو القائد التاريخي من هنا نجد أن فكرة القائد التاريخي هي فكرة إسلامية بإمتياز وإن وجدت في الغرب المسيحي فهي ليست بنفس المدلول التي هي عليه عند الشرق المسلم فهوعند الغربي المسيحي هو قائد من الشعب وعند الشرق المسلم هو هبة من الله

أجد هنا أنه من الضروري أن أنوه إلى أن المسلم في عمق تفكيره يفضل المسيحية على الإسلام ( بدليل أن كل المذاهب الإسلامية بإستثناء الوهابية لهم رموزهم المقدسة من أولياء صالحين يشكلون البديل الموضوعي وتعويضاً عن إلهٍ لم يروه )ولكنه لايجرؤ على الأخذ بالمسيحية وترك الإسلام لأسباب يعرفها الجميع وسبب رغبة المسلم في ذلك هي أن فكرة أنسنة الإله في المسيحية تلبي حاجة الإنسان النفسية التاريخية لأن يكون إلهاً أو على الأقل أن يرى إلهه

ولما كان لايستطيع فعل ما تقدم أي يكون مسيحياً أخذ يؤله حاكمه المصنوع من التمر

Son Guncelleme: Sunday 14th October 2012 08:43
  • Ziyaret: 10812
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0

Yazarın Diğer Yazıları


روسيا والربيع العربي
الحرب بين تركيا وسوريا
حقيقة الوضع في سوريا
جنون النقشف في اوروبا
ابعاد واهداف التواصل العربي التركي في ظل الازمة الاقتصاديةالعالمية