مؤسسة تركية توثق عمليات تهجير تتار القرم عام 1944
قامت رئاسة شؤون أتراك المهجر والمجتمعات ذات القربى التركية (YTB)، بلقاء آخر شهود عيان لعملية التهجير التي تعرض لها أتراك تتار شبه جزيرة القرم عام 1944 على يد الاتحاد السوفيتي، حيث شرحوا كيف أجبر السوفيت في 18 أيار/ مايو 1944، نحو 430 ألفا من تتار القرم على ركوب عربات القطار المخصصة لنقل الحيوانات وهُجروا عبر جبال أورال إلى سيبيريا ووسط آسيا.

وأجرت الرئاسة مشروع "دراسة تاريخية شفهية لتهجير تتار القرم"، حيث وثقت تلك الدارسة الأحداث التي وقعت آنذاك بشكل موضوعي من خلال الأسئلة التي أعدها فريق علمي، كما أجريت لقاءات مع 246 شخصاً عايشوا التهجير على مدى عامين.

وتم تسجيل اللقاءات، التي شكلت أرشيفاً بمساحة 7 تيرابايت، يمكن أن يساعد المؤرخين، والعلماء، ومنتجي الأفلام الوثائقية والبرامج الأخبارية.

وأفاد رئيس (YTB)،"قدرت بلبل"، لمراسل الأناضول أنهم أرادوا من خلال لقاء الأشخاص الذين شهدوا عملة تهجير تتار القرم، توثيق المآسي التي عاشوها، ونقلها للأجيال القادمة، مضيفاً " تعد هذه الدراسة هي الأولى من نوعها من ناحية توثيق التهجير، حيث إنه صادر من أفواه من عايش تلك الأحداث، فبعض من جاوز التسعين عاماً ممن شهدوا مآساة التهجير لايزالون على قيد الحياة، فهدفنا من الدراسة شرح القضية الوطنية لتتار القرم للرأي العام العالمي بشكل موضوعي، إضافة إلى الاستماع للمآسي من الضحايا بشكل مباشر".

وفي أحد المشاهد المسجلة لـ"سانية ساليفا" التي ولدت في مدينة "بغجه سراي"، بشبه جزيرة القرم عام 1930، ذكرت أن الجنود الروس اقتحموا منازلهم صباحاً، وأجبروا عائلتها على ركوب شاحنة، ومنعوهم من حمل أي أمتعه معهم.

بدوره، سرد "حجي ماجد باميتوف" المولود في مدينة "كيزليف" بالقرم عام 1932، كيف قام الروس بضرب والده الأعرج بالبندقية على ظهره وأجبروهم على ركوب الشاحنة، في حين قالت "شمسية بكيروفا" ولدت عام 1939 في مدينة "قره صو بازار"، "حملت أمي معها إلى الشاحنة شيئاً، وإذ هو قرآن، فعمل الجنود على تخليصها آياه ورميه من الشاحنة".

أمّا، "مدينة جالبوروفا"، المولدة في مدينة "صوداق" سنة 1927، فأشارت إلى أن مقطورات القطار التي أُرغموا على ركوبها أثناء عملية التهجير لم تكن تحوي نوافذ أو دورات مياه لقضاء الحاجة.

من جهتها، ذكرت "فاطمة عثمانوفا" المولودة في "صوداق" عام 1932، أن بعض النسوة الحوامل اضطررن للولادة داخل المقطورات التي تعاني سوء التهوية، إضافة إلى تفشي الروائح الكريهة داخلها.

إلى ذلك، قامت رئاسة شؤون أتراك المهجر والمجتمعات ذات القربى، بالتعاون مع مديرية الاوقاف العامة، بتنفيذ مشروع تحت عنوان " حصر الآثار التاريخية لتتار القرم"، حول الآثار التاريخية التي تثبت الهوية المسلمة للقرم، وتشكل مشكلة هامة لتتار القرم الذين نجحوا في العودة إلى وطنهم الأم في أعوام 1990 بعد كفاح دام 50 عاماً، حيث نجح المشروع في تثبيت الآثار المهدمة، والمخربة، والمهملة، والتي تم تحويلها، ونشر صورها تفصيلياً.

كما تمكن المشروع من تحديد نحو 200 آثر في 11 مدينة و44 قرية، في وقت يستمر العمل على إعداد تصنيف بعدة لغات منها التترية والروسية والإنكليزية للآثار.

ومن المنتظر أن تقوم الرئاسة الشهر المقبل، بالتعريف بمشروع حصر الآثار الذي سيدخل في الأدب العالمي.

تجدر الإشارة إلى أن أراضي شبه جزيرة القرم الغنية بجمالها الطبيعي وتاريخها، والتي تتمتع بموقع جغرافي هام، كانت محط أطماع الروس منذ زمن بعيد. ففي عام 1783 وبعد انهيار خانية القرم، احتلت روسيا شبه الجزيرة، وتم تهجير سكانها من التتار الأتراك ليحل محلهم القادمون من ولايات روسيا الداخلية ومن ألمانيا وبوهيميا وإستونيا وإيطاليا، ما نجم عنه تناقص عدد التتار في شبه الجزيرة بشكل كبير.

وتعرض تتار القرم للمأساة الأكبر في تاريخهم خلال الحرب العالمية الثانية، حيث اتهمهم السوفيت بالتعاون مع الألمان، وأصدر ستالين قرارا بنفيهم من شبه جزيرة القرم، وهكذا تم تهجير حوالي نصف مليون من تتار القرم من بلادهم في الفترة من 18 إلى 20 مايو/ آيار 1944، حيث انتزع التتار من منازلهم دون أن تتاح لهم فرصة حمل أمتعتهم معهم، وأُجبروا على ركوب عربات القطار المخصصة لنقل الحيوانات، ورحلوا عبر جبال الأورال إلى سيبيريا ووسط آسيا.

وتسببت عملية الترحيل تلك في مقتل حوالي 200 ألف من تتار القرم، بسبب الجوع وسوء التهوية في عربات القطار التي نقلوا بها. ولمدة عشر سنوات لم يسمح للتتار المهجرين بالابتعاد ولو لعدة كيلومترات عن المناطق التي نفوا إليها، وتم التفريق بين أبناء العائلة الواحدة، وتعرضوا لمعاملة قاسية غير إنسانية. ويقول نشطاء تتار القرم إن 46% من التتار فقدوا حياتهم في تلك الفترة.

وفي حين كان التتار يمثلون الأغلبية العظمى من سكان شبه جزيرة القرم في القرن الثامن عشر، تراجعت نسبتهم إلى 44% في القرن التاسع عشر، لتصل إلى 19.4% عام 1939.

وما بين عامي 1967 و1968 تمكن ما بين 250 و300 عائلة تترية من العودة إلى القرم بعد حصولها على أذونات خاصة من الحكومة السوفيتية، إلا أنه لم يسمح لهم سوى بالاستقرار في الأراضي الوعرة وغير الخصبة. وفي نفس الوقت عاد عدد من التتار إلى القرم دون إذن الحكومة السوفيتية، ومن ثم تعرضوا إلى الترحيل من شبه الجزيرة، واستقر عدد كبير منهم في "هيرسون" الأوكرانية و"كراسنودار" الروسية القريبتين من القرم. ووصل عدد التتارالذين تمكنوا من العودة إلى القرم رغم الحظر ما بين عامي 1985 و1986 إلى 17 ألف شخص.

ومع اتباع الرئيس السوفيتي "ميخائيل غورباتشوف" لسياسة "البيريسترويكا" (إعادة بناء اقتصاد الاتحاد السوفيتي)، اكتسبت مطالب التتار مزيدا من القوة، وعاد عدد كبير منهم إلى القرم بشكل جماعي. ويبلغ عدد تتار القرم الذين يعيشون في المنفى حاليا 150 ألف شخص أغلبهم يقيمون في أوزبكستان ومنطقة كرانسودار في روسيا.

ومع تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، أصبحت شبه جزيرة القرم جمهورية ذات حكم ذاتي تابعة لأوكرانيا. ولا يزال التتار يعانون في بلادهم من مشاكل في تملك الأراضي.

الروس من جديد

وصلت الأزمة التي بدأت في أوكرانيا في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2013 إلى شبه جزيرة القرم، حيث ضمت روسيا القرم الأوكرانية وأعلنت استقلالها عن أوكرانيا من طرف واحد، بعد استفتاء أجري في شبه الجزيرة في 16 أذار/مارس 2014 .


AA
Son Guncelleme: Sunday 17th May 2015 04:36
  • Ziyaret: 8548
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0