المقاهي الثقافية بالمغرب.. عودة لزمن الكتاب
أمام تراجع الإقبال على الكتاب، والخوف من شيوع الثقافة الاستهلاكية، قام عدد من المهتمين بالشأن الثقافي في المغرب بإحياء تقليد المقاهي الثقافية، بهدف إخراج الثقافة والمعرفة من ضيق النخبوية إلى سعة الشارع ورحابة فضائه.

سارة آيت خرصة

أصيلة /المغرب – الأناضول

يتحلّق عدد من رواد المطعم حول طاولة وقد تقابلت فوقها كؤوس الشاي المنعنع ودواوين الشعر، أحاديث جانبية وضحكات خافتة تتصاعد من جنباته، تصمت ما إن يبدأ عزف العود، وعلى إيقاع تقاسيمه يلقي شاعر قصائده بعربية فصيحة وأخرى بزجل مغربي.

يجزون الوقت في تدارس أبيات الشعر قديمها وحديثها، وفي الإنصات للشاعر المغمور الذي جاء ليشارك رواد المقهى إبداعاته، يكرّمونه بعبارات الاستحسان، وينتهي الحفل الثقافي وقد دُعي الجميع لتناول طاجن مغربي (إناء خزفي تقدم فيه أكلات مغربية)، يقدمه صاحب المطعم لمريديه من محبي الثقافة والأدب.

هكذا دأب زوار "المطعم الثقافي الأندلسي" بمدينة أصيلة (شمال المغرب) على الاحتفاء بالثقافة والفن، وتمضية الوقت وهم يتجاذبون أطراف الحديث حول آخر الإصدارات الأدبية، شعرًا ورواية وقصة، ويخوضون في أحوال الأدباء والشعراء من أبناء المدينة والوطن، ويتحسرون على زمن الورق والقلم على حد قولهم.

فأمام تراجع الإقبال على الكتاب ومطالعته، والخوف من شيوع الثقافة الاستهلاكية، قام عدد من المهتمين بالشأن الثقافي في المغرب بالعمل على إعادة إحياء تقليد المقاهي الثقافية، بهدف إخراج الثقافة والمعرفة من ضيق النخبوية إلى سعة الشارع ورحابة فضائه.

فانتشرت مقاهٍ ومطاعم تحتضن أمسيات الشعر والنقد دون أن تقتصر على كبريات المدن المغربية كالرباط ومراكش والدار البيضاء، بل واستوطنت أحياء عتيقة في مدن وقرى الهامش، بعيدًا عن المركز (العاصمة) الذي يستأثر بجل النشاط الثقافي.

مساحات النقاش وطرح الأفكار على مختلف توجهاتها التي يتيحها فضاء المقهى كنقطة وصل ولقاء بين مبدعي المدينة، يعيد للذاكرة على ما يقول بعض رواد المقهى، تقليدًا عربيًّا أثيرًا ساهم في الحركة الفكرية التي عرفها المشرق العربي ومغربه.

فمقهى "ريش" بالقاهرة و"الرمانة" بالجزائر، و"باريس" بتونس، ومقاه شتى متراصة على طول شارع الرشيد في بغداد، تشبه تلك التي فتحت أبوابها مشرعة لكل الشعراء والأدباء في شوارع بيروت ودمشق، تقدم صورة حية عن الدور الذي لعبته المقاهي الثقافية في إثراء الثقافة وجعلها شأنًا عامًا يرتبط بتوق الناس لحرية التعبير وتداول الفكر.

فكانت رشفات من الشاي أوالقهوة ترافق أحاديث النخبة وتصاحب السجالات الفكرية التي كانت تتداول حينها مستقبل البلد ومشاريع نهضته، لتخلق حركة ثقافية قادها أدباء وشعراء من أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغيرهما، ممن وجدوا في المقهى ورواده ساحة لبسط الفكرة ومناقشتها، وعرض الرأي وتصويبه.

المغرب لم يغب عنه هذا التقليد الأدبي واحتضنت مدنه منذ السبعينيات من القرن الماضي مقاهي غصت بأهل الفكر والأدب كمقهى "كونتينولتال" بتطوان (شمال المغرب) ومقهى "لاكوميدي" بالعاصمة المغربية الرباط وغيرها، أرّخ لذكراها أدباء وروائيون ومغاربة جعلوا من المقهى فصلاً مهمًا في أعمالهم الأدبية، وحوله دارت أحداث رواياتهم.

ففي "أصيلة" نجد بساطة المدينة وتواضع حال أهلها، تشي بذلك بساطة المطعم وتواضع أثاثه، أما حرص صاحبه على تقديم وجبات تقليدية مغربية، يجعل منه مقامًا دائمًا لمن استعاضوا عن قلة الفضاءات الثقافية الرسمية التي تخصصها الدولة، والتجأوا إليه لعرض إبداعاتهم، يحفظون في اسم مطعمهم "الثقافي الأندلسي" ذكرى حضارة أندلسية لا يزالوا يتغنون بأبيات شعرائها، أما عناوين قصائدهم فتحكي آمال الناس البسطاء وأحلامهم.

وغالبًا ما تقام هذه المقاهي أو المطاعم الثقافية دون تمويل من جهات رسمية، وتعتمد على المبادرة الفردية لمن استهوتهم الثقافة وحملوا هم إخراجها من برجها النخبوي، لكن مثل هذه المشاريع الثقافية تواجه صعوبات في الاستمرار، بسبب هيمنة النظرة التجارية الربحية على أغلب أصحاب المطاعم والمقاهي، فالثقافة في عرف بعضهم لن تدر عليه مالاً وفيرًا.

الهوس بإحياء هذا "التقليد الثقافي" دفع شباب مغاربة بمدينة الدار البيضاء، وبمبادرة فردية، إلى تأسيس صالون أدبي نجح في أن يستقطب شعراءً وأدباءً ونقادًا من بلدان المغربي العربي ومن أقطار عربية أخرى، لكن الصالون الأدبي كما شاء له أصحاب المبادرة سيتخلى عن طابعه المغلق المقتصر على العارفين بالأدب والدارسين للشعر، ليجول بأمسياته وندواته عبر مقاهٍ ومطاعم، هي أقرب للناس وقد استقرت بجوار حيهم أو في شارع وسط مدينتهم، هذه التجربة ستنسحب على فئات أخرى لتشمل تشجيع الطفل على حب الثقافة والقراءة من خلال تأسيس صالون الطفل وتخصيص جوائز لإبداعات النشء.

أما هنا في مدينة "أصيلة" المقيمة على شاطئ الأطلسي، فلا يخفف عزلة زجاليها وشعرائها غير "المطعم الثقافي الأندلسي" أو ما شابهه من مقاهٍ، فكؤوس من الشاي وتوقيعات مبدعة على آلة العود، تسمح لشاعر حالم أو قصاص هاوٍ يشق دربه بلا كلل، أن يفك عنه عزلته، ويشارك الجمهور الذي ليس سوى أهل حيه وبلدته، بعضا مما جاد به قلمه، ويسوّق بضاعة ثقافية بعسر وقد نفر منها كثيرون.

Son Guncelleme: Wednesday 31st October 2012 09:46
  • Ziyaret: 13305
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0