رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء التركي

في مقال نشرته جريدة حريت (الحرية) بتاريخ 28.12.2013 الموافق السبت نشر الكاتب "أحمد خاقان" مقالا بعنوان "رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء"، مما جاء فيه:

سيادة الرئيس،
الوقوف في وجه سلطة القضاء، والتعرض للمحاكم، وتوبيخ النائب العام.. هذا كله لن يخرجكم من هذه الأزمة الراهنة.

ولأنكم لن تخرجوا من هذه الأزمة، فستغرقون البلد وتطيحون به.

إن الرؤساء الذين لا يبالون بالقضاء، ‪ويوبخون نوابهم العامين، ويديرون ظهورهم لمحاكم بلدانهم، يمكن أن تنعت دولتهم بكل شيء، إلا أن تنعت بـدولة القانون.

لا تنسوا هذه الكلمة، ولا تلغوها من عقولكم.. "عندما تنتهك القوانين، تبدأ الكوارث."

سيادة الرئيس،

أرجو أن تبتعدوا في كلماتكم وتصرفاتكم التي تقول بلسان حالها "أنا لن أقدم مَن في دائرتي الخاصة والمحيطين بي لهذا القضاء ولهذه المحاكم ولهؤلاء النواب العامين". لأن هذه الكلمات وتلك التصرفات لن تسهم سوى في تفجير وحدة هذا البلد، واستقراره، ومبادئه، والإحساس السائد فيه بالعدالة والمساواة، إنها كلمات تلعب بمشاعر كانت ترغب دائما أن تعيش معا في حب وسلام.

سيادة الرئيس،

إلى قضاء هذا البلد قُدم جنرالاته، ولأحكامه خضعوا واستسلموا، وبقراراته هم الآن قابعون في سجونه.

هؤلاء الجنرالات الذين كانوا يظنون يوما ما أن يدا لن تصل إليهم، حوكموا أمام قضاء هذا البلد وحكم عليهم بالحبس المؤبد مرتين، وهم قابعون الآن في سجن "سلفري" يمضون عقوبتهم.

أمام قضاء هذا البلد حوكم صحفيون، وبأحكامه أودعوا السجون.

رؤساء بلديات وسياسيون في هذا البلد حوكموا.. كبلت أيديهم وقضوا شهورا في السجون.

أريد أن أسألكم.. ما الذي يفرق بين هؤلاء كلهم وأولئك المحيطين بكم ممن في دائرتكم؟

لقد قلتم لهؤلاء الجنرالات عندما استدعاهم القضاء: "اذهبوا إلى القضاء، وإذا كنتم أبرياء لماذا تتراجعون؟ ثِقوا بالعدالة". لكن عندما جاء الدور على محيطكم ومن في حزبكم، تقولون "غير ممكن"، وتوبخون النائب العام وتقاومون. وإلا فالقضاء هو القضاء، والمحاكم هي نفسها، بل حتى النائب العام هو هو. يعني لو كانت هناك "دولة موازية" هي التي تقاضيكم اليوم -كما تدعون- فهي نفسه التي كانت بالأمس.

سيادة الرئيس،

ماذا نفهم من جميع مواقفكم تلك؟ ما هي الرسالة؟

هل كل من كان في محيطكم من الملتفين حولكم، هم من النخبة وفي مستوى من الأهمية بحيث لا يمكن ليد العدالة أن تصل إليهم.. ومن ليسوا كذلك، يحل ضربهم وحبسهم والحكم عليهم بالسجن المؤبد؟ هل هذا هو القصد؟!
إذا كان الأمر هكذا، فبالله عليكم ما الفرق بين هذا كله و"تركيا القديمة" التي عرفناها؟

سيادة الرئيس،

إذا كنتم وأنتم "رئيسا للوزراء" تقولون اليوم "هذا القضاء مغرض وأنا لا أثق فيه!"، أفليس من حق كل مواطن عادي أن يقول كذلك أيضا؟ ألا يمكن لكل مواطن يقف أمام القضاء كذلك أن يردد "هذا القضاء مغرض، وأنا لا أثق فيه!" أو يزيد فيقول "أعجزتم عن مساس المقربين من رئيس الوزراء، وتمكنتم مني أنا؟" ألن تكون عبارته هذه في محلها ويكون محقا؟

إذا كنتم بهذه القوة والسلطة الكبيرة للدولة تحمون المقربين منكم وتنقذونهم، فماذا سيفعل المواطنون العاديون الذين ليست لديهم هذه القوة؟ من سيحمي هؤلاء؟ ومن سينقذهم؟

سيادة الرئيس،

يمكنكم أن تقولوا "دولة موازية"، أو "عصابة عميقة"، قولوا "لوبيات ربوية" أو "قوى خارجية"، قولوا "أعداء للدولة"، قولوا كل هذا ودافعوا عنه إلى الأبد.. لكن تراجعوا عن فكرة "لن أقدم المقربين مني لهذا القضاء!" لأن هذا الفهم لن يطيح بكم فقط، بل سيطيح بنا نحن أيضا. سيطيح بنا جميعا، وسنتخسر جميعا نحن وأنتم.

سيادة الرئيس،

إن جهدكم الذي يسعى إلى منع التحقيق مع هؤلاء الذين في محيطكم ومنع محاكمتهم، لا يهدم الإحساس بالعدل عند مواطنيكم فقط، بل يحدث شكوكا وقلقا عميقا لدى الذين ينظرون إلى تركيا اليوم من الخارج. لأن البلد الذي يتجرأ رئيسه على محاكمه وعلى قضائه وقضاته لا يمكن أن يراه أحدا آمنا.. بل ليتهم يكتفون بهذا الشعور، لقد بدؤوا يأخذون أموالهم ويهربون، وأنتم ترون اليوم قيمة الدولار وحال البورصة وإلى أين وصلا، بسبب مواقفكم هذه يا سيادة الرئيس، حتى الاقتصاد بدأ يشتكي!

وفوق هذا كله يا سيادة الرئيس تعلنونها "حربا"، هل لديكم أدنى فكرة عن معنى "الحرب" إذا ظهر على لسان رئيس بلد؟

هذه إذن إستراتيجيتكم يا سيادة الرئيس؟ هذا ما وصلتم إليه؟ في الأخير بحثتم ولم تجدوا مخرجا غير هذا.

موافقون إذن.. لنحارب! لكن ضد من سنحارب يا سيادة الرئيس؟

هل سنحارب ضد النائب العام؟ أم ضد الهيئة العليا للقضاة والنواب العمومين؟ أم ضد القضاء برمته؟!

إذا كنا سنحارب ضد كل هؤلاء، فهلا قلت لنا بأي الأسلحة سنحارب في حربنا هذه؟ هل سنحارب بعضنا البعض؟ هل يمكن أن يواجه أحدنا جاره؟ هل يمكن أن يضرب الأخ منا أخاه؟

سيادة الرئيس،

هل يمكن أن يكون في هذه الحرب منتصر؟ هل يمكن أن يكون لهذه الحرب طعم انتصار أصلا؟ ما الجواب على كل هذا؟!

ما الجواب ونحن في الوقت الذي كنا فيه بلدا عظيما يصل إلى كل قارات العالم، هل يتحول هذا البلد إلى سوريا أخرى..؟

سيادة الرئيس،

من فضلكم فكروا في كل هذا، توقفوا عن الكلام لبضعة أيام مثلا. وإن لم تستطيعوا ذلك، تحدثوا دون أن تواجهوا أو تتصدوا لأحد.. حتى وإن لم تستطيعوا ذلك، تحدثوا بهدوء دون أن تصرخوا، أو على الأقل لا تتحدثوا وتتهموا القضاة والنواب والمحاكم.. كونوا هادئين ما أمكن، كونوا معتدلين قليلا.

لا تنظروا إلى ما حدث بعين الغضب وشعور الانتقام، انظروا إليه بعين عقلكم وإحساسكم ووعيكم.

قوموا باجتماعات.. قوموا بتقييم، تحركوا بآليات التشاور.

الذين يقولون لكم "لنحارب يا رئيسنا"، كما تحدثتم معهم وأصغيتم إليهم، استمعوا كذلك لمن يقولون أشياء أخرى غير ذلك.

لا تنسوا يا سيادة الرئيس أن الذين يقولون لكم "هيا لنحارب يا رئيسنا" اليوم، عندما تنتهي هذه الحرب وتظهر نتائجها حتما سيخرجون ليقولوا "رئيس الوزراء هو الذي ارتكب بكل هذه الأخطاء"، لكن الأوان سيكون قد فات، سيكون قد فات لعمل أي شيء.

سيادة الرئيس،

ربما لا يتجرأ من في وزارة الشؤون الدينية وغيرها لتذكيركم بهذا، لكني سأفعل أنا.

تعرفون أن الأمر الإلهي ينهانا عن "الكِبر"، من رؤوسنا حتى أخمص قدمينا.
نعم أذكركم بهذا والدموع تغلبني، لو وقفنا عند هذا المعني لألفينا فيه حِكما عظيمة…
Son Guncelleme: Tuesday 31st December 2013 04:53
  • Ziyaret: 3301
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0