الأزمة السورية وظاهرة الإمتداد القومي العربي

Saturday 10th November 2012 10:40 Kategori الكتاب


العيد صالحي
salhi.laid01@yahoo.fr

حينما بدأت وسائل الإعلام الغربية تلوح ببوادر ربيع عربي تنطلق من خلاله النهضة القومية في مسار شبيه بعصر التنوير داخل أوربا ومسار الإنفتاح المطلوب من منظور غير محدد المعالم وجهة واتجاها، وفضاء دون أبعاد يمكن تخيلها، لا إعتبارا لغياب جهة أكيدة تتبنى الفيلم الوثائقي التاريخي الراهن فحسب، بل لإستحالة الجزم العقلاني بوجود مخرج بارع وعبقري في كتابة سيناريو يمثل هذا لحجم والدقة كذلك.

إن إعتبار "البوعزيزي" نقطة تخول في تاريخ أمة كاملة ويمثل هذه الأدوات الطفوليةالبدائيةبشكل في إعتقادي سذاجة أو تفاهة تعبر عن ضعف مصادر الإلهام العربي وضآلة المنبع الفكري الوجداني، فمسألة تجسيد التذمر الشعبي من خلال فرد أعزل، ليست إلا شعرة*وجدت تربة خصبة ظهرت فقصمت لشعر بعير أثقلتهالإنتكاسات المتتالية والخيانات المتلاحقة، في غياب فاضح للقيادة الإجتماعية (فكرية، سياسية...) تستطيع استيعاب هذا الكم الهائل من التدخلات الواقعية والإفتراضية لعالم مابعد الصحوة الصحبة أو لنسميه "المعاصرة".

وإذا كان المشهد التونسي قد إختزل ذاته إعتبارا لسهولة الطرح من جهة (مطلب إجتماعي في نسيج إجتماعي بسيط) وقوة النخبة بتجانسها وواقعيتها... ليليه المشهد المصري الذي يتجاذبه موقفان متناقضان تناقضا سياسيا وبراغماتيا... ليليه السيناريو اليمني والذي تجاوزته الحكمة اليمانية عن أن يكون فضاءا لحرب إقليمية تحدد ملامح شرق أوسطية جديدة...

فإن إنتقال عدوى الربيع العربي إلى البلد السوري كان الواضح منه أو المعلن تجربة طفولية بسيطة قادها تلاميذ صغار عبروا فيها عن مكنونات ولنفسيات الكبار، لتنفجر هذه الحادثة (أطفال صغار يكتبون على الجدار الشعب يريد اسقاط النظام) مكونات المخزون النفسي والتاريخي في عاصمة الشام، لكن هذه المرة يتواطؤ مخطط له من القوى الإقليمية الأصيلة والدخيلة تحت مسمى خارطة الشرق الأوسط الجديد.

زيارة إلى سوريا: في خريف سنة 2009 قادتني دواعي الدراسات الأكاديمية العليا إلى الجمهورية السورية، فكان أول ملاحظة لموافقة أن دمشق شهدت نهضة أو صحوة إقتصادية ملموسة بعد إنفتاحها على طهران (من خلال العمران والنقل ...)، لكن غلاءا معيشيا واضحا رافق تلك القفرة وهو ما أسره لي بعض الأصدقاء السوريين بعيدا عن أعين "البوليس" وآذان الأجهزة المتخصصة في محاربة الخرجات الإجتماعية والسياسية.... الممكنة.

لكن الملاحظات الأساسية التي جمعتها كانت كما يلي:

أولا:التضييق الأمني الكبير الذي يمارسه أجهزة المخابرات والشرطة الجوارية على ساكني دمشق وضواحيها خاصة، ورغم أهمية الأمن في الحياة الإجتماعية العادية، إلا أن تمادي خنق الحريات وتكميم الإرادة الفردية وصل إلى حدود يمكن ملاحظتها من الزائر العادي.

وقد حاولت خلال زيارتي الإشارة إلى حوادث حماة بطريقة سطحية، إلا أنني لمست ترددا نخبويا واضحا... إلا خلال تواجدي المنظم بطريقة شخصية (العلاقات الشخصية) مع أحد التجار في ورشة العمل الموجودة في أقبية إحدى العمارات وسط دمشق، والذي حدثني صراحة عن حقيقة التعاطي الأمني مع الحريات الشخصية والديموقراطية.

ثانيا:لقد شرفني الله بأن صليت صلاة الجمعة في المسجد الأموي، وكان إمام الصلاة الشيخ "محمد السعيد رمضان البوطي"، وكان درس الجمعة كله موجها نحو بطانة السوء وبطانة الخير... وحينما علمت أن الشيخ أحد المقربين، عرفت أن موضوع خطبة الجمعة ليس إلا إستغاثة من الشيخ داخل سراب نظام بشار الأسد.

ثالثا:تنامي التواحد الإيراني الشيعي داخل سوريا، بل إن الملاحظ في الممارسات التجارية هو تواجد المستثمرين الإيرانيين والتداول التجاري للغة الإيرانية الفارسية.

إلا أن السمات الأساسية التي رسمتها حول المجتمع السوري، هو الفطنة والحذر الملاحظ على تصرفات الفرد السوري.

ومن السمات المميزة للسوق الدمشقية تواجد ثلاث كتل تجارية مالية طاهرة وكبيرة يختزلها المشهد التسويقي الداخلي: ففي سوق الحميدية الشعبي الكبير يشهد تواجدا بالأغلبية للتجار السنة إلى جانب بعض الشيعة والأكراد وأقلية مسيحية، وفي سوق... وبمحاذاة الكنيسة المسيحية يظهر تواجد التجار المسيحين مع غلبة تجار أهل السنة، أما في السوق الجديد فإن هناك تواجدا مميزا للبضاعة الإيرانية والتجار الشيعة... بل إن لغة التداول شبه الرسمية هي الفارسية وقد كان هذا المشهد الإجمالي بالنسبة لي مدعاة للإتحقان والتمايز خاصة بعد علمي من بعض السوريين المتواجدين في الجزائر أن هناك نظرة فوقية يمارسها الشيعة الفارسيين على أمثالهم العرب بدعوى أسبقية الولاء للفكرة أو العقيدة.

عودة من الأردن (أو معقل المشكلات الشامية):

في مناسبة أكاديمية أخرى قادتني إلى الأردن خلال ربيع هذه السنة (2012)، تزامن تواجدي بجنوبها في الحدود السورية والإسرائيلية، وبالضبط في جامعة اليرموك المنطقة أريد القبلية، مع نزوح عدد كبير من السوريين الفارين إلى تراب المملكة الهاشمية، ولقائي الفضولي مع البعض منهم، كما ومناقشة الوضعية مع النخبة الأكاديمية ... وهو ما أوصلني إلى عدة نتائج شكلها السناريو الأردني الباهة في شكل فسيفسائي رسمه السوريون والإسرائيليون في الجنوب، وميزة العراقيون والأتراك في عمان والشمال، وحققه الفلسطنيون القدامى والجدد في كامل تراب المملكة الهاشمية على النحو التالي:

أولا:إن نعيم الأمن (أدامه الله) في الأردن وتوسطها لمشهد الصراع في خارطة الشرق الأوسط أدى إلى اعتبارها ملجأ لكل الفئات الهاربة من وضعها القطري الداخلي: بين عراقيين أجبرهم الغزو الأمريكي لدولتهم على اللجوء إلى الأردن والإستثمار الإقتصادي والمالي فيها، ويظهر ذلك في المشاريعالكبرى داخل البنية التحتية للمملكة، خاصة في شمالها إنطلاقا من عاصمتها عمان ووصولا إلى الجدود المتاخمة، مع العلم أن دول الشام تميزها الطابع القبلي ذو الإمتداد العشائري الداخلي التاريخي القوي، وهو كذلك حال سوريا التي ترابطها علاقات مصاهرة وقرابة وإرتباط قبلي مع بعض العائلات الأردنية ما جعلها في حالة الإستقرار هاته جامع الشتات المتناثر من أغلب الدول المحيطة...

ولعل ينزوح رجال المال السوريين إلى الأردن قد يكون سببا في إنتعاش إقتصاد المملكة، وهو ما لمسته خلال أسبوعين من تواجدي هناك وتنامي قيمة الدينار الأردني إلى الأورو نسبة 0.96%، وهو توجه قد يكون غير إراديا (تلقائيا) للدالة الاقتصادية والمالية المحلية.

ثانيا:صورة ثانية من مظاهر التأثير الإجتماعي السوري على الأردن، وهي الشكوى التي أسرها لي بعض إخواننا الأردنيين عن توجه الشباب المحلي (الأردني) إلى الزواج بالفتيات السوريات على خلفية جمالهن وأناقتهن وبعورتهن...، إضافة إلى العلاقات العشائرية البينية الواضحة والخفية والتي أدت إلى إعتبار المصاهرة والزواج السوري بالأردن وسيلة للهروب من شبح التصفية الحربية التي قد تكون في جزء منها أثنية وطائفية...

... وقد سبق للعراق أن عاش تجربة مماثلة لشقيقته سوريا من نزوح قوي للنساء العراقيات إلى سوريا، خاصة بائعات الهوى اللواتي تم تشغيلهن في المواقع الإباحية، وهو مالمسناه على مواقع الأنترت المختصة.

إضافة إلى هذا المشكل الإجتماعي الذي يفرضه النزوح السوري القوي إلى المملكة فإن هناك توجسا كبيرا لدى الكثير من الأكادميين عن استغوال الهجرة الفلسطينية القديمة داخل المملكة، وهو ما أكده لي بعض المحسوبين على التيار الإسلامي (القوي داخل الأردن وخاصة الإخوان المسلمون) من إحتلال هؤلاء للمراكز القيادية داخل الجماعات والجمعيات الداخلية، على شاكلة ما يحدث داخل المجتمع المدني النخوي الطبقي.

... إن الأردن في تعاملها الإيجابي والذكي مع مختلف المشاكل الشامية (إنطلاقا من شمال المملكة السعودية ووصولا إلى جمهورية الوصاية الأمريكية (العراق)... تعتبر بحق جامعة قومية للشتات العربي الشامي) المتناثر من دول الجوار والمستقبل (بكسر الباء) لخارطة الشرق الأوسط الكبير.

معالم الطريق:بعد هذه الشهور الطويلة من الصراع بين الحاكم والمحكوم، أوبين الصفويين وباقي الطوائف الوطنية داخل سوريا، أمكن التدخل الأممي (بزعامات أجنبية معلنة، أميركا، روسيا...) من ملاحظة الإنكفاء القومي الوطني أو القطري الأصيل لأهل سوريا، وإجتماع الثوار أو المعارضيين السياسيين الناطقة والصامتة، بل وتقوي بعض الطوائف غير المرئية إعلاميا إلا في توسمات صنعتها وتعلمها مخابر المخابرات العالمية، وتفسرها البروتوكولات الصهيونية بوضوح.

إن الحديث عن سوريا كمعقل من معاقل القومية العربية ذو الخلفية الإيديولوجية الفارسية، يقودنا منطق المراوجة بين النقيض والنقيض إلى رسم سيناريوهات كثيرة للبعد "الصراعي" الحالي بين توسم الخلفية الغربية التي ترسم خيوطها الإدارة الإسرائيلية (الصهيولية) في مسرحية روسية أمريكية تدعو إلى صناعة سراب الأمل لدى الفرد المسلوب من جهة، وبين التخبطات الذاتية التي لاحت بوادرها منذ بداية مخطط العولمة الباهت واستفحال ظاهرة الاثنيات ذات البعد القومي أو الديني أو اللغوي... في كامل رجوع الكرة الأرضية.

... فسوريا توحدها اللغة العربية أساسا، وتشكلها نوازع الإختلافات الاثنية الباطنة والظاهرة، ماجعل الحديث عن فضاء إسلامي خالص (توجه مذهبي معين) أو إيديولوجية محددة المعالم قادرة على تكوين مدرسة واضحة وعقلانية هو المصب الغائب في تحديد البعد الحقيقي للصراع الدائر داخل منطقة الشرق الأوسط الجديد... ولذلك كان من الصعب التكهن لمآلات الصراع الراهن وتحديد إمكانيات إنتصار أو إنكسار تقوده خلفية محددة وقوة ضاغطة فعلية.

وقد يكون لنا إسقاط استراتيجي على بقية دول الجوار ، مثلما قد نلمسه في مقالنا اللاحق – إن شاء الله – حول الأزمة المالية في إفريقيا .


Son Guncelleme: Saturday 10th November 2012 10:40
  • Ziyaret: 19811
  • (Suanki Oy 3.7/5 Yildiz) Toplam Oy: 3
  • 3 0

Yazarın Diğer Yazıları


الدولة القومية و انكماش مفهوم المجال المحفوظ
الربيع العربي . . . و حصاد الإخوان المسلمين
!ما حكم "دولة" تخشى شعبها؟
إلى أين تتجه تونس؟ 1/ 3
السيرة الذاتية