خبير: المجلس العسكري لن يتخلى عن حكم مصر قبل خمس سنوات
بعد أيام من إعلان محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في مصر، ثارت العديد من التساؤلات عن احتمالات حدوث مواجهة بين الإخوان والعسكر، أو بين الإسلاميين والمدنيين، ومدى إمكانية تحقيق حالة التوافق الوطني بين الإخوان والقوى السياسية، وتشكيل فريق رئاسي، وهل ينجح مرسي في الخروج من عباءة تنظيم الإخوان ليقود البلاد بفكر أكثر انفتاحا، أم سيكون القيادي الذي يقضي على فكرة حسن البنا؟!

العديد من التساؤلات التي طرحناها على المفكر الاستراتيجي الدكتور مصطفي حجازى في حواره مع الأناضول، وإليكم الحوار..

الأناضول: كيف ترى المشهد الآن بعد وصول أول رئيس إسلامي للحكم بعد 60 عامًا من حكم العسكر؟

مصطفى حجازي: المشهد الآن به العديد من المشاعر المركبة ما بين الفرحة بانتصار الثورة وكسر المعادلة التقليدية، لكن في المقابل هناك حالة من التوجس العام؛ لأن الأمر جديد ونحن شعب محافظ بطبيعته ويتعامل بمنطق "اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش (من نعرفه أفضل ممن لا نعرفه)"، وهناك توجس عام من التيار الإسلامي وخاصة من الإخوان المسلمين وهذا نتاج إرث تاريخي.

الأناضول: ماذا تعني بالمعادلة التقليدية وكيف تم كسرها؟

حجازي: هو أن يقوم الحاكم بتوريث الحكم سياسيًا أو بالدم وتنصيب نفسه إلها أو نصف إله.. هو يريد والشعب يطيع ويرضخ ويرضى، لكن الانتخابات الرئاسية التي شهدتها مصر خلال الأيام الماضية كسرت تلك المعادلة، وأكدت أن الحاكم المصرى من الآن لن يأتى إلا بإرادة الشعب وبحسب ما يرغب فيه الشعب المصري، وكذلك تحديد اسم وطبيعة من يحكم البلاد.

الأناضول: هل يعني حديثك أن الثورة انتهت؟

حجازي: هذا غير حقيقي ولكن هناك فرقا فى الحديث عن الحالة الثورية وعن لحظة الثورة، فالحديث عن الحالة الثورية يعد تمثيلا لقيم الثورة ومحاولة إنباتها من الجذور، ورفض كل ما ينتمي للماضي. وما يجعلنا نقف عند التفريق بين الثورة والحالة الثورية هو حال الرئيس مرسي؛ لأنه ينتمي إلى الحالة النهضوية وليست الثورية، فهو شخصية تنتمي للفكر المحافظ الراديكالي، وهذا ليس عيبا ولكن علينا أن نرى مرسي من هذا المنظور حتى يمكننا محاسبته.

الأناضول: هل ترى أن الرئيس المصري الجديد لن يخلع عباءة تنظيم الإخوان؟

حتى نكون واقعين، علينا قراءة مرسي جيداً، فهو شخصٌ تربى في إطار فكري يرسم الإصلاح وشكل الدولة والانطلاق نحو المستقبل بغير التصور الذي تراه الثورة، وعليه أن يصل إلى حالة من النضج ومفهوم الدولة الطبيعية الذي يعني أن الدولة مؤسسة كبيرة والجميع فيها شركاء، متساوون فى الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتماءاتهم، إلا أن خلفية مرسي لا ترى أن المواطنين متساوون، ويمكن تقسيمهم وفق العقيدة أو غير ذلك، كما أنه تربى على أدبيات جماعة حسن البنا ومفهوم الخلافة.

الأناضول: تحدث مرشد الإخوان عن أن الربيع العربي هو مقدمة إعادة إنتاج الخلافة الإسلامية، فهل ترى أن مرسي سيخطو نحو هذا الاتجاه؟

حجازي: مفهوم الخلافة الذي تحدث عنه حسن البنا كان رد فعل لسقوط الخلافة الإسلامية فى عصر الصناعة، وكان محاولة لإعادة إنتاج الفكرة عبر تنظيم، وذلك في وقت كانت تصنع فيه الفاشية والنازية تنظيمات تخدم فكرتهم. هذه الفكرة تربى عليها مرسي، ولا يمكن أن ينسلخ منها بسهولة، بل وينظر إلى الحياة بضوابط وخصائص ومعايير تلك الفكرة، لذلك قد يعاني من أوضاع تجعله يشعر بالنزاع النفسي بين ما تربى عليه، وبين مجموعة من المواءمات السياسية لخلق حالة من الاصطفاف أو التوافق. وهذا حديث خطير لأنه يعد أسلوب "تقية سياسية"؛ فمرسي كان محسوبا على تيار الصقور فى جماعة الإخوان المسلمين وكان يسوّق لقواعد من يحفظ القرآن فهو أولى بالثقة.

الأناضول: هل ترى أن مرسي سيحكم البلاد بأسلوب قيادته لتنظيم الجماعة؟

حجازي: هذا أمر يتوقف على مدى استعداده لاستيعاب موقعه الجديد، فهو يحتاج إلى حالة من استتابة النفس ومراجعتها، على غرار ما فعلت قيادات الجماعة الإسلامية، وأن يدرك الجميع أن الرئيس يحاكم على حكمه وأسلوب إدارته وليس على ورعه وتقاه، وأن يتجنب أسلوب المراجعات الإعلامية لأنها الصورة الأخرى لـ"التقية السياسية"، وهذا سيزيد الفجوة بينه وبين الناس وتتحول حالة التوجس من الإخوان إلى حالة دائمة، وهذا سيكون سبيلا لفناء فكرة جماعة الإخوان المسلمين، وليس التنظيم لأن التنظيم سيفني نفسه بنفسه خلال السنوات القادمة.

الأناضول: تتحدث عن فناء التنظيم، فماذا عن الثورة المصرية؟، وهل هي في سبيلها للمصير ذاته؟

حجازي: علينا أن نفرّق في البداية بأن هناك نخبًا تتحدث عن الثورة وبين صناعها من "عموم المصريين"، ولن تستكمل هذه الثورة مسيرتها إلا إذا تم تشكيل تيار رئيسي يجمع مختلف الروافد، وتستطيع خلق حالة من التناغم فيما بينها، على الرغم من الاختلاف والتنوع.

الأناضول: وماذا إذا لم تنجح القوى السياسية في خلق هذا التيار؟

حجازي: هذا يعني انهيارًا للحالة الثورية وترك الوديعة في يد الماضي، وعلى الجميع أن يدرك أن المستقبل البشري الجديد يسمى "عصر الحكمة" المرتبط بالمعلومة، ولن ينجح معه تنظيم عسكري أو أحزاب متنافرة.

الأناضول: الحديث عن تيارات تنتمي للعصر القديم ينبئ بفشل الثورة، فماذا عن شباب الثورة؟، ولماذا لم ينجحوا في خلق هذا التيار الأساسي؟

حجازي: نحن لا نفرق من الناحية العمرية، ولكن من يتفهم التحول نحو المستقبل يعرف طبيعة العمل المجتمعي المنظم، وإجراء عمليات الفرز الوطني، وخلق هدف يتم التحرك خلفه. ولكن ما يحدث الآن هو حالة معكوسة؛ حيث يتم تسمية المنبر، ثم الحديث عن استحقاقاته، والهدف الآن هو الاصطفاف ضد الاستبداد، وليس وجود منبر ضد الإخوان، وآخر ضد العسكر، وثالث ضد المدنيين.

الأناضول: ما هو تصورك لوضعية العسكريين فى الفترة القادمة؟

حجازي: هناك من يحاول تصوير العسكريين على أنهم الشيطان، وآخرون يصورون الإخوان كذلك، وهناك من يصور الاثنين على أنهما قوى ثورية. والحقيقة أن المجلس العسكري هو من حمى الثورة، بل هو عمود أساسي، ولا يجوز أن نرفع عنه صفة الثورية أو الوطنية، فالجيش غاب عن الثورة لمصالحه وعاد إليها لمصلحته أيضاً. ولكن الأهم أن نخرج جميعا من عباءة الفكرة النمطية لأنه الخطر القادم، والقوى السياسية والإخوان والعسكريون كذلك أمامهم فرصة أخيرة للحفاظ على الحالة الثورية بل الحفاظ على أنفسهم.

الأناضول: كيف؟

حجازي: حين يدرك الجميع أن كل ما يتم خسارته على الأرض غير قابل للاسترداد مرة أخرى، ففى عصر الحكمة سقط قناع الإخوان فى عام ونصف العام، بينما سقط قناع الحزب الوطني في 30 عامًا.

الأناضول: تتحدث عن أن العسكريين حافظوا على الثورة، ولكن اليوم الجميع يطالبهم بالعودة إلى ثكناتهم!!

حجازي [مقاطعا]: نخدع أنفسنا حينما نذهب إلى أن العسكريين انقلبوا على الثورة ونطالبهم بالعودة إلى ثكناتهم؛ فالأمر لا يعني عودة جنود إلى ثكناتهم بالأمر، ولكن هذه المؤسسة تحكم مصر منذ 60 عامًا، وتعرف أنها صاحبة شرعية الحكم فى مصر، وهي تقوم الآن بعملية تسليم وتسلم للسلطة برضاها نسبيا، وكذلك تسليم الشرعية لأنها قرأت المعادلة التقليدية، وقررت ألا تصنع فرعونًا من داخلها أو خارجها.

الأناضول: هل أنت على قناعة بأن هناك نية حقيقية في تسليم السلطة كاملة من قبل المجلس العسكري؟

حجازي: سيكون هناك خروج سياسي للمؤسسة العسكرية خلال 5 إلى 10 سنوات، وهذا يتوقف على المعايير والإجراءات التي سيتخذها القائمون على الحكم في مصر؛ مما يمهد لوصول وزير دفاع مدني على رأس المؤسسة العسكرية، حينئذ سنكون أمام مؤسسة محترفة في وطن ديمقراطي. وعملية تسليم وتسلم السلطة تحتاج إلى عملية إحلال تدريجي، وليس إحلالاً قصرياً أو طائفياً أو أيدولوجياً؛ ففي هذه الحالات ستواجه المؤسسة العسكرية الأمر بمنتهى العنف.

الأناضول: هناك كثيرون يرون أن دور المجلس العسكري فى الفترة الانتقالية كان بمثابة "انقلاب ناعم" على الثورة، فما هو شاهدك على العكس؟

حجازي: المؤسسة العسكرية طالها فساد مثل باقي مؤسسات الدولة، لكن لديها عقيدة غير مؤدلجة، والفساد لم يصل إلى هذه العقيدة فالمؤسسة العسكرية حمت العقيدة القتالية ومازالت إسرائيل العدو الأكبر عند أصغر جندي مصري، ومن يدعوها للعودة إلى ثكناتها هو حديث "الموضة الثورية"؛ فالثورة لا تعني هدم المؤسسات، ولكن تعني إصلاحها جذرياً. فعلى سبيل المثال عقيدة الجيش السوري تحتاج إلى 30 عاماً حتى تعود للوطنية، بينما يحتاج الجيش العراقي لأكثر من 50 عاماً، والعقيدة الوطنية تمتد إلى كافة المؤسسات الأمنية، وهو الدور الذي يلعبه المجلس العسكري وسيقبل بالإحلال المدني لهذه المؤسسات شريطة ألا يكون إحلالاً طائفياً أو أيدولوجياً.

الأناضول: الوضع في مصر مرهونٌ الآن بمدى التوافق بين الإخوان والعسكر، فما تقييمك لعلاقتهما؟

حجازي: الحقيقة أن انتخاب رئيس ينتمي لعقلية أو تنظيم له أسوار يفتح جروحاً بين الطرفين يجب معالجتها، فالأسوار حول عقيدة الرئيس تجعلها عقيدة مغلقة رؤيتها محدودة، كما أن المؤسسة العسكرية ذات شباك تنظيمي، لكنه أوسع من الإخوان أو جميع التنظيمات السرية، وقد أدركت المؤسسة العسكرية أنها لن تنجح فى إعادة سيناريو عام 1952. والطرفان أمامهم الآن فرصة أخيرة للتصالح والعمل من أجل الوطن.

الأناضول: من وجهة نظرك أي الطرفين أقرب إلى الحرص على المصلحة الوطنية؟

حجازي: الحقيقة أن المجلس العسكري أقرب إلى الحالة التصالحية مع الوضع من الإخوان، وهذا يظهر بوضوح فى رغبته في نقل مشرف للسلطة يذكره لهم التاريخ.

الأناضول: لكننا عايشنا الفترة الماضية مجموعة من الصفقات أو المواءمات السياسية بين الطرفين، فعلى ماذا؟، وما مغزاها؟

حجازي: كلا الطرفين كانا يحاولان تكتيكياً إجهاض تحركات الآخر، ويحاول أن يكون صاحب قرار مصير مصر بشكل أنعم. والحقيقة أن العسكري أدرك أن بقاءه في المشهد أكثر تكلفة له، من أن يظل ممسكاً بجميع الخيوط دون أن يظهر في المشهد. فالمجلس العسكري يرون أنفسهم آباء مصر، ولابد من التأكد من وجود حالة من الحصافة والقدرة والأمانة لدى من يسلمونه السلطة، وأن يدركوا أنه أهل لذلك من خلال تجربة عملية وإلا سيتم الحجر عليه.

الأناضول: تحدثت عن الفرص الأخيرة لكافة القوى السياسية، والآن أمامنا فريق رئاسي وحكومة وجمعية تأسيسية قيد الإنشاء، فكيف يستغل الجميع تلك الفرصة؟

حجازي: على الجميع أن يسعى لأن يكون الفريق السياسي والحكومة وكذلك الجمعية التأسيسية تركيبة مصرية وطنية منطقية، وأن تصل هذه الرسالة إلى الشارع. وأقول للجميع إن الوضع في مصر لا يحتاج إلى السعي للاستئثار؛ فالجميع شبه متفق على مضمون الدستور وهوية مصر، وأقول للإخوان إن محاولة تصوير المشهد بامتلاك كل الخيوط ولو بحسن نية ربما يؤدي إلى استبداد كامل، وعلينا أن نبتعد عن المحاصصة واستبعاد النواب من الجمعية التأسيسية وأن تكون الحكومة من خارج الأطر السياسية التقليدية.

الأناضول: في الشهور الأخيرة وجدنا من يحاول تقسيم القوى السياسية إلى معسكرين أحدهما مدني والآخر إسلامي، فماذا يعني لك هذا التقسيم؟

حجازي: هذا تقسيم يمثل خطرا داهما، وقد يؤدي إلى صراعات تشبه حروب المماليك وعلى القوى السياسية الخروج من الأجوبة الجاهزة والنمطية، وأن تجعل المصلحة الوطنية فى المقدمة وأن تتعلم كيف تتحاور، وكيف نعرف العدو ونتعامل معه، وترك العصبيات وإذا فاز تيار فمن باب الديمقراطية مساندته ودعمه من باب المراقبة.

الأناضول: كيف ترى السنوات الخمس القادمة؟

حجازي: ستكون سنوات تعلم لمن يريد، وعلى الجميع أن يمتلك القدرة الأوسع على التحاور ومحاربة الاستبداد وأن يكون هذا هو الهدف الرئيسي.

الأناضول: بعد يومين سيعلن ائتلاف شباب الثورة حل نفسه، فهل هذا إعلان لانتهاء الحالة الثورية؟

حجازي: الائتلافات حالة رمزية انتهى وقتها، ونحن الآن في الطور الثاني للثورة، وهو وقت العمل السياسي، والانتقال من الميادين إلى العمل الفعلي نحو تحقيق التغير إلى المستقبل.

الأناضول: هل سيكمل الرئيس محمد مرسي مدته الرئاسية؟

حجازي: إذا خرج عن الأطر التنظيمية وقام بحالة الاستتابة من الممكن أن يستكمل مدته، أما دون ذلك فلن يكمل عامين على أقصى تقدير.
Son Guncelleme: Wednesday 27th June 2012 10:00
  • Ziyaret: 5405
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0