الاغتيال.. ديناميت تفتيت الثورة والدولة
الفاعل مجهول حتى الآن، وغالبًا سيبقى مجهولاً كعادة حوادث الاغتيال السياسي في الدول التي تسعى للبناء والاستقرار أو الخلاص من الاحتلال

حسام الدين السيد

كانت أصوات من فوق المنابر في تونس تطالب برأس شكري بلعيد، وأحمد نجيب الشابي، هكذا علنا وبالأسم، وهما سياسيان بارزان، ينتميان لتيار علماني، يميل لليسار، يعارض بشدة حركة النهضة التونسية، التي تقود حكومة الإئتلاف الثلاثي الحاكم ( النهضة والمؤتمر من اجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي) ، لم يلبث بعدها الأمر مليا، حتى تم اغتيال بلعيد برصاصتين امام منزله، وبعيد جنازته الحاشدة تمت محاولة للإعتداء على الشابي.

الفاعل مجهول حتى الآن، وغالبا سيبقى مجهولا كعادة حوادث الإغتيال السياسي في الدول التي تسعى للبناء والإستقرار او الخلاص من الإحتلال، فالتجهيل هنا، هو أحد اهداف ارتكاب الفعل، ليتفرق الدم بين اتهامات متعددة تطير في كل اتجاه، ويزداد سعير الخلاف السياسي الذي يعصف بالبلاد، ويصبح الوضع مهيئا لتدخل قوى اخرى تريد تغيير المسار وتدبير المآل إلى حيث تتحق مصالح هذه القوى العاملة من خلف ستار، وغالبا وعبر التاريخ، لاتخرج عن ثلاث جهات، تدفع الأمور وتزكيها، سواء نفذت بيديها او تم التنفيذ عن طريق آخر مندفع او موتور لايدري حقا مايحيق به وبما يمثله من جراء فعله، وهذه الثلاثة هي:

ـ إما قوى الانتفاع من النظام القديم وفلوله.

ـ وإما قوى الجيش والأمن وسلطات السلاح صاحبة الحول والطول والسيطرة التاريخية على مقدرات الدولة.

ـ وفي كل الأحوال الجهة الثالثة حاضرة وفاعلة، وهي القوى الغربية الخارجية، ذات التدبير والإستخبارات والعملاء واليد الطولى في البلاد التي مازالت تعبث من زمن ماقبل ثورات استرداد الكرامة والإستقلال.

تونس تحديدا لم تشهد حوادث اغتيال سياسي في تاريخها بعد الإستقلال عن فرنسا عام 1956 ، وإن شهدت دوما نزعات متطرفة يمينية ويسارية وإسلامية، لكن اتسمت الحركة المجتمعية بوجه عام برشد واعتدال، بطيبعة بنائها المتجانس من ناحية، وبطبيعة الثقافة السائدة التي لم تنفصل عراها عن العروبة والإسلام بشكل كبير، رغم محاولات السلطة الوطنية التي هيمنت على البلاد بعد الإستقلال التقليل من مؤثرات الثقافة التقليدية، نزوعا للتقليد الأوروبي.

للاغتيال أسباب

الوضع في مصر مختلف قليلا، حيث اسباب الإغتيال تدور حول صراع الحكم مع فصائل إسلامية، وكانت حوادث الإغتيال تجري بعد ثورتها على الحكم الملكي وعلى الإحتلال الإنجليزي عام 1952، ربما كان اشهرها محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية عام 1954، ثم إختطاف واغتيال الشيخ حسين الذهبي وزير الأوقاف عام 1977، ثم اغتيال الرئيس السادات نفسه في حادثة تابعها العام كله على الهواء في العرض العسكري عام 1981 الذي اقيم بمناسبة ذكرى حرب اكتوبر 1973، وتلا ذلك تكرار لعمليات اغتيال لمسؤلين وضباط يمثلون السلطة فيما يشبه حرب استنزاف طويلة كان طرفها جماعات عنف مسلح انطلقت من خلفيات اسلامية، وطرفها الثاني كان رجال الحكم والشرطة.

ولم يخل الأمر من استهداف كتاب ومثقفين، مثل اغتيال الكاتب فرج فودة ومحاولات اغتيال الروائي نجيب محفوظ وايضا الصحفي المعروف مكرم محمد احمد، وكلها جرت واستمرت حتى نهاية التسعينات من القرن العشرين، لكنها رغم ضراوتها وضررها على الإستقرار العام والوضع الإقتصادي، لم تؤثر كثيرا في خلخلة بنية الدولة، وأنتهت بالمراجعات الفكرية الشهيرة التي اقر فيها الإسلاميون حاملو فكر التغيير بالعنف، أنهم كانوا على خطأ وأن سبيل التغيير العنيف لم يفض إلى غاية مرجوه، أو هدف التغيير والإصلاح والتطبيق للشرع الذي كانوا يبتغون.

في البلدين، تونس ومصر، تعددت اشكال الإختفاء القسري، وحوداث القتل مجهول الفاعلين، او القتل في السجن وتحت التعذيب، وقع ذلك كله لمعارضين للسلطات الحاكمة وقت ذلك، لكن لم تصنف هذه الحوادث كعمليات اغتيال، بل كانت اقرب للقتل على الرأي والإتجاه السياسي، وكانت الإدانة للسلطة واجهزة الأمن واضحة، ورغم عدم إعلان فاعل رسمي، إلا أن الأطراف السياسية والمجتمع، كانوا يعتبرون الفاعل معروفا، ولذلك قامت ثورات الربيع، رغبة في التخلص من استبداد السلطة وطغيانها، ودفعا لتحقيق حاجة التغيير ورفع المظالم الإجتماعية المتراكمة من عقود، فأحرق البوعزيزي نفسه إحتجاجا في تونس، واغتالت يد الأمن خالد سعيد طغيانا واستبدادا في مصر، كلا الحادثين كانا شرارة الثورة ، وبداية فورة للحلم والتطلعات لدولة اخرى ناهضة وعادلة ومستقلة.

بيئة تنتظر الديناميت

إحتفل البلدان منذ اسابيع قليلة بمرور سنتين على الثورة، وما صاحب هذه الإحتفالات من مظاهر إحتقان وعنف وتوتر، يعكس البيئة التي تهيأت لتفجير "ديناميت" تفتيت الثورة والدولة، بالإغتيالات السياسية، حيث تميزت البيئة بعدد من الصفات التي تجعلها على اهبة الإستعداد لجحيم الفوضى والإحتراب:

ـ التبديد المستمر للشرعية، حيث انقضت المدة الرسمية للمجلس التأسيسي في تونس، ولم ينجز الدستور بعد، وتم تمديد عمله في ظل مشاحنات سياسية هائلة، وخلافات بين أحزاب الترويكا نفسها، وبينها وبين المعارضة اليسارية والعلمانية، تتهم الإسلاميين في الحكم بالإستئثار والحكومة بالفشل، وفي مصر كانت نفس الجمل تملاء الفضاء والشوارع والميادين وتستدعي التظاهرات احتجاجا على الحكومة الضعيفة والرئيس الذي لم يتمايز عن جماعته الإخوانية، وعلى الدستور الموصوف بالمعيب من جانب المعارضة، والموصوف بالعظيم وغير المسبوق من جانب الإسلاميين وانصارهم، نتج عن هذه الأوضاع ان باتت شرعية الحكم غير مستقرة رغم الإنتخابات والأصوات، لأن الشارع مهتز تحت مقاعد الحكم ، والتطاحن فيه بين الفرقاء عنيف، سقط فيه قتلى وجرحى ولايزال.

ـ استمرار المظالم الاجتماعية، حيث كانت الثورة على الفقر اشد احتجاجا من الثورة على استبداد السلطات، ومع ذلك استمرت سياسات الحكام الجدد بعد الثورة في تونس ومصر على السواء ، تحمل نفس الخصائص الإقتصادية الرأسمالية المتوحشة التي كانت سائدة قبل ذلك، من الإعتماد على قروض صندوق النقد، واستثمارات رجال الأعمال المقربين من القصر، وعدم التجاوب مع مظالم الفئات المظلومة من العمال والمهنيين، مما خلق مناخا عاما، يرى أن الثورة لم تحقق له شيئا يستحق التضحيات التي بذلت من أجلها، وطرح قضايا تتعلق بالهوية والإسلامية والمدنية والعلمانية، وإثارة تحزبات وتكتلات معها او ضدها، وادخال المجتمع في صراع عنيف مصطنع بعيدا عن قضاياه واحتياجاته الأساسية .

ـ انهيار الثقة في منظومة القانون والعدالة، وضعف الإنجاز في قضايا العدالة الإنتقالية، حيث رموز الفساد والاستبداد في كلا البلدين يعودون للأضواء من جديد، وحيث دماء الشهداء كادت تجف ولم تجد من يثأر لها بالقانون ويقتص من القاتل، وحيث مشاركات رموز للنظام التسلطي السابق في الحكم الجديد وتقلد بعضهم مناصب رفيعة، وباتالي فأحد أهم مطالب الثورات لايتحقق منه شيء حتى الآن.

ـ السلاح غير الشرعي يملأ البلاد، بما يخلق بيئة مواتية للعنف، والجهاديين والتنظيمات المسلحة تحوم سواء في قلب تونس وحولها، أو في سيناء المصرية والصحراء الغربية وبعض صعيد مصر، وامتدادات هذه التنظيمات في ليبيا ومالي تساند وتمد وتعاون، فيزيد خطر العنف المسلح ويقلق، مع ضعف اداء واضح للأجهزة الأمنية.

ـ المصالح الغربية لا تترك فرصة للتدخل إلا وقامت بها، ووصل الأمر لعرض الإدارة الأمريكية ارسال قوات مارينز لتأمين البعثات الدبلوماسية والسفارات، بالإضافة إلى الإتفاقات والترتيبات التي جرت مع سلطات الحكم الإسلامية لضمان إستمرار نفس الترتيبات الإقليمية التي تؤمن المصالح الغربية وتحفظ امن اسرائيل، وعشرات المواقف والتصريحات من مختلف الاطراف التي مثلت استفزازا شعبيا للجماهير التي كانت تعتقد أن استقلال القرار الوطني هو احد أهم مطالب الثورة التي قامت بها ودفعت ثمنها، ووجدت شواهد عكس ذلك من سلطات الحكم التي تنتمي لخلفيات إسلامية كانت تناصب السياسات الأمريكية العداء قبل ذلك.

ـ دور الجيش وأجهزة الأمن، الذي تزايد حضوره في المجال العام سواء بنعومة ومن خلف واجهات سياسية، أو بوضوح وعنف تجلي في الإصطدام بالجموع الغاضبة في الشوارع والميادين وسقوط قتلى وجرحى، وعمليات اعتقال وأحتجاز غير قانوني، أثارت حنقا وريبة ، وطرحت اسئلة عن القوة التي مازالت تحرك الأحداث وتدير البلاد، سواء في تونس أو مصر.

هذه الأجواء التي يتشبث فيها كل فريق برأيه، ويناور ويخلف ويسارع باتهام خصومه، وتشتعل فيها الإتهامات العلنية المتبادلة بين الفرقاء السياسيين، ويكون الشارع وقود الخلاف السياسي، الذي يحمل صفات عقائديه، ويصل التحريض على القتل من كل الأطراف أن يكون علنا وعلى رؤس الأشهاد، في المساجد والمؤتمرات والمحافل ومحطات التلفزيون، في ظل كل هذا، تكفي رصاصة طائشة او مقصودة ، تودي بحياة شخصية سياسية بارزة، لتنسف الدولة التي تحاول ان تبني قواعد مابعد الثورة، وتعيد البلاد إلى جحيم الفوضى، حتى يقول الناس ليتنا ما ثرنا، ولا غيرنا، فلا نفعنا إسلاميون، ولا انقذنا يساريون، ولا حمانا ليبراليون.

وظيفة الدولة كما عرفها الإمام المواردي هي: "عدل يقام وحق يصان وسطان قاهر"، فإن لم تقم سلطات الحكم بعد الثورة على تحقيق المفهوم الرشيد للدولة واصرت على اتباع نفس مسلكها، ولم تبادر إلى تخفيف الإحتقان وتجميع الفرقاء في حد ادنى وطني مقبول بالتحاور والتنازل والمرونة، فإن الإغتيالات لن تكون آخر المطاف، بل أول الهاوية.
Son Guncelleme: Sunday 10th February 2013 10:36
  • Ziyaret: 4669
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0