مروان البرغوثي.. أسير يتغذى على وجبات المطالعة
عندما تحاوره حتى لو كان بينك وبين ذلك الحوار الحواجز والقضبان، تظنه حرًا طليقًا لم تقو عليه أساليب الحصار النفسي والجسدي داخل سجنه .. إنه "مروان البرغوثي".

إيمان نصار
القاهرة- الأناضول

عندما تحاوره حتى لو كان بينك وبين ذلك الحوار الحواجز والقضبان تظنه حرًا طليقًا لم تقو عليه أساليب الحصار النفسي والجسدي داخل سجنه.. إنه "مروان البرغوثي"، أشهر أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية والقيادي في حركة فتح.

ما زال البرغوثي مؤمنًا "بأن الوطن لجميع أبنائه وأن الدولة بجميع فصائلها ومكوناتها، وأن الوطن حتماً يجب أن يتصالح وينهي انقسامه"، كما يؤكد في حديثه للأناضول الذي تم عبر وسيط.

مروان البرغوثي يتماهى مع وطنه فلسطين إلى حدود التطابق، فالوطن الذي ينادي فرقاءه بالمصالحة محاطٌ بسجن كبير، وجسده المنهك محاصر بسجن صغير، أما مصادرة حريته فلم تنل من عزيمته، وقهر الجدران والزنازين لم "يقهر إراداته" فعقله ما زال يضج بالأفكار التي أخافت السجان، وإرادته ما زالت مفعمة بالطموح، وأحلامه بحجم الوطن.

هناك في سجنه "هداريم" الإسرائيلي يكتمل المشهد الفلسطيني، فيجتمع مع 120 أسيرًا فلسطينيًا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار من مناضلي حركة فتح إلى مجاهدي حركة حماس والجهاد الإسلامي من أبطال الانتفاضة إلى ثوار الجبهة الشعبية، تجمعهم علاقة كما يقول البرغوثي "ممتازة"، فذاك الأمين العام للجبهة الشعبية، أحمد سعدات، يقاسمه مع عدد آخر من القيادات البارزة للفصائل أنشطة تعليمية وثقافية وتعبوية وسياسية ونضالية.

من وراء جدران وقضبان ذلك المُعتقَل، خرجت وثيقة الأسرى للوفاق الوطني عام 2006 التي وقعت عليها جميع الفصائل والقيادات الفلسطينية، تلك الوثيقة التي ما زال البرغوثي يراها "صالحة وقادرة أن تكون الجامع والقاسم المشترك والبرنامج الوطني للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي من أجل نيل الحرية والعودة والاستقلال".

في تلك البيئة المحبوسة يجد مروان ضالته المنشودة، وعندما تسأله الأناضول: كيف تمضى أيامك؟، تراه من سطور إجابته يؤمن بأن "الاختلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية"، وهو الأستاذ الجامعي الذي يلقي المحاضرات، ويدرّس الطلبة كافة اللغات والتخصصات بين جدران ذلك العزل الجماعي، وهو المفكر الذي يكتب ويتابع ما أتيح له من محطات تلفاز وصحف ومجلات وبخاصة صحفية "نيويورك تايمز"، وهو القارئ الذي يتغذى على وجبات المطالعة لكمية لا تقل عن سبعة كتب في الشهر الواحد، وهو الرياضي الذي يمارس رياضته الصباحية بشكل يومي.

تسأله عن المكان الذي ينوي زيارته وعن الشخص الذي ينوي مقابلته بعد اللحظة التي يخرج فيها من السجن، يأتيك قائلاً: "المكان الذي سأذهب إليه هو مدينة القدس، وأول شخص أود مقابلته واحتضانه هو زوجتي ورفيقة دربي وحبيبتي الأستاذة المناضلة فدوى البرغوثي، التي قدمت نموذجاً رائعاً عن المرأة الفلسطينية والعربية، وكذلك أولادي الأحبة، وأريد أن ألتقي جموع أبناء الشعب الفلسطيني العظيم، وأبناء أمتنا العربية والإسلامية".

القيادي الأسير الفلسطيني "أبو القسام"، لا يزال يرى المقاومة الشاملة التي دفع حريته ثمناً لها بأنها "الخيار المناسب والأجدى لإنجاز الحرية والعودة والاستقلال، ويرى أيضاً أن المقاومة "لا تستثني أي شكل أو أسلوب أو وسيلة لأن العمل الجزئي أو الانتقائي لا يثمر، وإنما العمل وفق استراتيجية لمقاومة شاملة في كافة المجالات وعلى كافة الأصعدة هو الذي ينجز الحقوق الوطنية وطالما بقي المحتل على الأرض الفلسطينية فلا بد من المقاومة بكل ما تعنيه".

وعن انقسام أبناء فلسطينه، وعما إذا كان لديه أي مبادرة لمداواته، يرى البرغوثي أن حل الانقسام وتحقيق المصالحة "لا يحتاج إلى مبادرات أو وثائق جديدة بل إلى إرادة وطنية مخلصة وتغليب المصالح الوطنية على المصالح الفئوية والشخصية الصغيرة، وإلى قرار حر ووطني وقيادات تشعر بثقل المسؤولية الوطنية والتاريخية وتدرك المخاطر التي يشكلها تهويد القدس والاستيطان الذي يهدد مستقبل الشعب الفلسطيني".

"كما تحتاج إلى قيادات تملك الشجاعة الوطنية في اتخاذ القرارات وتجاوز الحسابات الضيقة، وقيادات تؤمن بمبدأ الشراكة الوطنية في كل شيء، وتحترم تضحيات شعبنا وشهدائه وجرحاه وعذابات أسراه"، يضيف في رده.

البرغوثي الذي يفسر عدم شموله حتى الآن في أي صفقة لتبادل الأسرى بسبب "الموقف العدائي والحاقد للحكومة الإسرائيلية على رموز النضال الفلسطيني، وغياب الفعل والجهد الحقيقي لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من قبل الفصائل الفلسطينية والقيادة الرسمية"، يحمل في ذات الوقت الفصائل والقيادات الفلسطينية مسؤولية عدم تحقيق مصالحة فلسطين.

وفي هذا الصدد، يصف الانقسام بأنه "صفحة سوداء في تاريخ وسجل ناصع البياض لشعب مناضل عبر مائة عام من الصراع ويعتبر استمراره هو كارثة وطنية". ويقول إن "التاريخ لن يرحم القيادات البائسة العاجزة عن إنهاء الانقسام وإنجاز الوحدة الوطنية التي هي قانون الانتصار لحركة التحرر الوطني وللشعوب المقهورة، ولن يقبل الشعب الفلسطيني استمرار هذا الانقسام وسيطيح بأمراء الانقسام عاجلاً أم آجلا".

وفي معترك الحديث عن مبادرات وقمم لإنجاز المصالحة الفلسطينية والتي كان أحدثها مقترح قطر القاضي بعقد قمة عربية مصغرة ترعاها مصر بحضور حركتي فتح وحماس (طرفي الانقسام) يرحّب البرغوثي من داخل أسره بأي دعوة لعقد أي لقاء من أجل المصالحة والوحدة الوطنية وبأي دعوة عربية او إسلامية أو صديقة لإنهاء الانقسام، ويقول: "يجب عدم اليأس مهما بلغت الصعوبات، وإذا فشلت عشر محاولات فلا يعني التوقف ولا يعني ألا تنجح الفرصة الحادية عشر" يأمل لقمة قطر في حال تم انعقادها في العاصمة المصرية القاهرة أن "تقود إلى تشكيل حكومة فلسطينية جديدة وانتخابات تشريعية ورئاسية ولعضوية المجلس الوطني الفلسطيني".

وقبل التحول إلى إقليمه المتعارك ثوريًا، يكمل الأسير مروان البرغوثي قراءته للمشهد الفلسطيني وأحوال حركته (فتح) في ظل المعطيات الراهنة التي يتحدث عنها الفلسطينيون ألا وهي "السطوة الإسرائيلية، والانقسام الفلسطيني، والدعم العربي الإسلامي الضعيف".

القضية الفلسطينية من وجهة نظر أسيرها البرغوثي "تواجه تحديات جسيمة وخطيرة وفي مقدمتها الاحتلال والاستيطان الذي يبتلع الأراضي الفلسطينية والتهويد الذي يجري ليل نهار وعلى قدم وساق في مدينة القدس المحتلة"، فهو يعتقد "أنه في ظل غياب روافع عربية واسلامية ودولية تساند الفلسطينيين، وفي ظل الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل والاختلال الشديد في موازين القوى فإن المخاطر ستبقى كبيرة على المستقبل الفلسطيني وخاصة في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني وغياب الدعم العربي والإسلامي للفلسطينيين".

لكنه ومع ذلك يجزم بأن "الشعب الفلسطيني لديه العزيمة والإرادة والإصرار على مواصلة النضال والكفاح والمقاومة ضد الاحتلال حتى إنجاز الحرية والعودة والاستقلال، وأن وحدة الشعب الفلسطيني وإنهاء الانقسام ومعافاة الوضع العربي وخاصة دول الربيع العربي واستقرارها سيشكل خطوات هامة على طريق تعزيز النضال الفلسطيني وإنجاز الحقوق الوطنية.

ويرى أن "الفلسطينيين بحاجة إلى استراتيجية وطنية جديدة تقوم على أسس المقاومة الشاملة على الساحة السياسية الدولية واستمرار العمل للانضمام لكافة الوكالات الدولية بما في ذلك المحاكم الدولية والعمل على طرح قضية عضوية دولة فلسطين على مجلس الأمن مجددا، والعمل على عزل إسرائيل دولياً ومقاطعتها، وكذلك توسيع دائرة المشاركة في المقاومة الفاعلة على الأرض الفلسطينية وانخراط الجميع فيها وشموليتها ورعايتها وتقديم كل سبل الدعم لها، وإعلان المقاطعة الشاملة السياسية والتفاوضية والأمنية والإدارية للاحتلال والمقاطعة الاقتصادية لكافة البضائع والمنتجات الاسرائيلية، واستنهاض طاقات الفلسطينيين خارج الوطن وفي الشتات، وإجراء الانتخابات لتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة تمثيله".

أما عن أحوال حركته فتح، فهو يعتقد أن مؤتمرها السادس الذي عقدته عام 2009 شكل خطوة مهمة لكنها غير كافية من وجهة نظره في "تعزيز واستنهاض الحركة" فهو يأمل أن يتم عقد المؤتمر السابع في موعده في شهر آب/أغسطس 2014، حفاظاً على قوة حركة فتح ووحدتها، ولتعزيز الديمقراطية في أطرها ومؤسساتها، ولإتاحة الفرصة لصعود قيادات شابة جديدة لهيئاتها القيادية من خلال مشاركة الجميع في الداخل والخارج".

ينتقل أسير حركة فتح في السجون الإسرائيلية وقائد كتائبها الأقصى إلى الولوج في المشهد الإقليمي والمتغيرات الحادثة في منطقة "الربيع العربي" ومآلاتها النهائية، ويقرأ في ثوراتها قائلاً: "إن الثورات العربية الديمقراطية هي حدث تاريخي كبير في تاريخ الأمة، وأنها أكدت أن الأمة العربية وشعوبها حية نابضة، وأن أجيالها الشابة لا تقبل بالاستبداد والدكتاتورية والفساد وكبت الحريات، ولا تقبل أن تعيش في كنف نظام عربي مشلول وعاجز ومسلوب الإرادة ويخضع للتبعية والهيمنة الأمريكية سياسياً وأمنياً واقتصادياً، والنظام العربي منفرداً ومجتمعاً فشل خلال العقود الماضية في بناء نظام سياسي ديمقراطي، وفشل في التنمية وفشل في تحرير إرادة وقرار الأمة، وفشل في مشروع النهضة".

ويستكمل قراءته للثورات العربية قائلاً: "الثورات العربية عبرت عن أصالة شعوبنا ورفضها للخنوع والذل والقهر، وهي إعلان عن أن صبر الجماهير قد نفد، ونجاح الثورات مرهون بتكريس دساتير ونظم ديمقراطية وبإطلاق مشروع بناء نظام عربي ديمقراطي ومؤسسات لاتحاد عربي جديد ينهض بالأمة، وسيبقى المحك الأكبر والجدي لنجاح مسيرة الثورات العربية ومسيرة الإصلاح الديمقراطي هو مساندة الشعب الفلسطيني والمساهمة في تحرير الأرض الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة".

في حديثه للأناضول، عرّج الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي على مستقبل مصر بعد ربيعها العربي، ورأى أن "الثورة العربية الديمقراطية هي حدث تاريخي غير مسبوق في تاريخ الأمة المعاصرة، وأنه من المتوقع حالة من الصعود والهبوط والتعثر، وأن الثورة لا تسير في خط مستقيم ولكن انتصارها حتمي".

ويبدي البرغوثي ثقته الكبيرة بالشعب المصري الذي وصفه بـ"العظيم وصاحب التاريخ الكبير" وقدرته على صياغة وبناء نظام سياسي ديمقراطي تعددي قائم على الشراكة الحقيقية بين مختلف الفئات والحركات السياسية والفكرية حتى تستعيد مصر دورها القيادي لدى الأمة العربية والذي يتطلع إليه الجميع.

عن زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأخيرة للمنطقة اعتبرها البرغوثي بأنها جاءت "لمخاطبة الرأي العام الإسرائيلي والتأكيد على التحالف الاستراتيجي الأمريكي – الإسرائيلي، وتقديم الضمانات والتعهدات لإسرائيل، وكذلك لكسب ود اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ووقف انتقادات الجمهوريين للرئيس أوباما بخصوص إسرائيل"، ويقول إن زيارته لمدينة رام الله "كانت على الهامش وليست أساسية.

وحول مضمون خطابه لأوباما، يقول: "شهدنا في مضمون الخطاب تراجعًا للرئيس أوباما عن موقفه السابق المُطالب بالوقف الشامل للاستيطان والعودة لحدود 1967، حيث لم نسمع ذلك في رحلته هذه المدة، واكتفى بالحديث أنه قادم للاستماع وكأن ستة وأربعين عاما من الاحتلال وعشرين عاماً من المفاوضات العبثية وبرعاية أمريكية لا تكفي لتفهم الإدارة الأمريكية أن المطلوب هو إنهاء الاحتلال والانسحاب لحدود 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وتمكين اللاجئين من ممارسة حقهم في العودة إلى وطنهم طبقاً للقرار الدولي 194 وتحرير كافة الأسرى والمعتقلين".

ولذلك يرى البرغوثي أن "بناء الأوهام على إمكانية تحقيق السلام بالعودة إلى المفاوضات وفق الأسس والآليات القديمة هو أمر مرفوض وكارثي".

Son Guncelleme: Wednesday 10th April 2013 10:20
  • Ziyaret: 5503
  • (Suanki Oy 0.0/5 Yildiz) Toplam Oy: 0
  • 0 0